يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما ( أي تحولا ) كثيرا و سعة , و من يخرج من بيته مهاجرا إلى الله و رسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله و كان الله غفورا رحيما )* ( النساء 97 - 100 ) .
قال الحافظ ابن كثير في"تفسيره" ( 1 / 542 ) :"نزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين , و هو قادر على الهجرة , و ليس متمكنا من إقامة الدين , فهو ظالم لنفسه , مرتكب حراما بالإجماع , و بنص هذه الآية".
و إن مما لا يشك فيه العالم الفقيه أن الآية بعمومها تدل على أكثر من الهجرة من بلاد الكفر , و قد صرح بذلك الإمام القرطبي , فقال في"تفسيره" ( 5 / 346 ) :"و في هذه الآية دليل على هجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي , و قال سعيد ابن جبير: إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها , و تلا: * ( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ? ) *".
و هذا الأثر رواه ابن أبي حاتم في"تفسيره" ( 2 / 174 / 1 ) بسند صحيح عن سعيد . و أشار إليه الحافظ في"الفتح"فقال ( 8 / 263 ) :"و استنبط سعيد بن جبير من هذه الآية وجوب الهجرة من الأرض التي يعمل فيها بالمعصية".
و قد يظن بعض الجهلة من الخطباء و الدكاترة و الأساتذة , أن قوله صلى الله عليه وسلم:"لا هجرة بعد الفتح"ناسخ للهجرة مطلقا , و هو جهل فاضح بالكتاب و السنة و أقوال الأئمة , و قد سمعت ذلك من بعض مدعي العلم من الأساتذة في مناقشة جرت بيني و بينه بمناسبة الفتنة التي أثارها علي ذلك الخطيب المشار إليه آنفا , فلما ذكرته بالحديث الصريح في عدم انقطاع التوبة المتقدم بلفظ:"لا تنقطع الهجرة .."إلخ .. لم يحر جوابا !
و بهذه المناسبة أنقل إلى القراء الكرام ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في الحديثين المذكورين , و أنه لا تعارض بينهما , فقال في"مجموع الفتاوى" ( 18 / 281 ) : " و كلاهما حق, فالأول أراد به الهجرة المعهودة في زمانه , و هي الهجرة إلى المدينة من مكة و غيرها من أرض العرب , فإن هذه الهجرة كانت مشروعة لما كانت مكة و غيرها دار كفر و حرب , و كان الإيمان بالمدينة , فكانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام واجبة لمن قدر عليها , فلما فتحت مكة و صارت دار الإسلام و دخلت العرب في الإسلام صارت هذه الأرض كلها دار الإسلام , فقال:"لا هجرة بعد الفتح", و كون الأرض دار كفر و دار إيمان , أو دار فاسقين ليست صفة لازمة لها: بل هي صفة عارضة بحسب سكانها , فكل أرض سكانها المؤمنون المتقون هي دار أولياء الله في ذلك الوقت , و كل أرض سكانها الكفار فهي دار كفر في ذلك الوقت , و كل أرض سكانها الفساق فهي دار فسوق في ذلك الوقت , فإن سكنها غير ما ذكرنا و تبدلت بغيرهم فهي دارهم و كذلك المسجد إذا تبدل بخمارة أو صار دار فسق أو دار ظلم أو كنيسة يشرك فيها بالله كان بحسب سكانه , و"