نجيب عن السؤال السابق من خلال تتبعنا إيقاع صوت الراء المجهور، وقد أظهر غلبةً واضحة على صوت"السين"من حيث التكرار ( خرق، مكارم، سابرية، رداء"مكرر أربعًا"، الرقراق، تسترجف، الريح، أمر، رجفانًا، الدهر، المرتاع، أروع، رحب"مكرر ثلاثًا"، الصدر، الذراع ) ليدلّ بذلك صوت الراء المتكرّر على حركة الثوب، بينما كان صوت السين المتكرّر يدلّ على رقّة الثوب وشفافيته، ومع ذلك فإنّ زيادةً حاصلة في تعداد صوت الراء في النص لا تفضي إلى خللٍ في إيقاع التوازن، فثمة صوت الصاد يرادف السين ويسانده من أجل تحقيق التوازن المأمول إيقاعيًا، والذي بدوره يعمل على تحقيق توازن ما بين الخلعة المهداة إلى شاعرنا وشعره طورًا، وما بين سعادته بالخلعة وسعادته بالقصيدة"الشعر"طورًا آخر.
ومثلما خرج الاختلاف من صميم النزاع القائم بين الأصوات نجده يخرج مجدّدًا عن طريق الصراع الأزلي بين الثابت والمتحول، فها هو ذا إيقاع الاختراق يتجلى في التضمين [1] ، حيث لا يتم معنى البيت الأول إلّا بقراءة البيت الثاني، وذلك لحاجة الفعل"كسى"المتعدي إلى مفعولين إلى مفعوله الثاني، وقد تصدّر البيت الثاني
"قد كسانا. .. حلّةً".
الأمر ذاته يحدث عندما يلجأ أبو تمام في البيتين الرابع و السادس إلى التدوير، على اعتبار أنّ"التدوير اختراق للثابت وتنويعٌ على السائد" [2] إذ يكسر حاجز القسمة العروضية، فتتوزع الكلمة على شطرين، ما يدفع القارئ إلى متابعة فعل القراءة دون انقطاع، وهذا فعل هدمٍ يراد به التخلّص من رتابة الإيقاع بدمج شطري البيت، على خلاف السائد المعروف.
(1) ـ التضمين"يعني تعلّق بيت أول ببيت ثانٍ من حيث المعنى إذ لا يكتمل معنى الأول إلّا بوجود الثاني انظر: العروض و موسيقى الشعر العربي، أ. محمد علي سلطاني، المطبعة الجديدة ـ دمشق، 1982م ـ ص 122."
(2) ـ الحسين، د. جاسم، الشعرية ـ ص 131.