يفتخر ابن سيّار يفتخر ببلائه الحسن الذي حسده عليه أصحابه، فقد أبلى بلاءً حسنًا يفوق بلاء قائده الجنيد، الذي أوقع المسلمين في شراك العدو جهلًا وسوء تدبير، ونرى الشاعر يصوّر لنا كيف رمى الأعداء بخيولٍ جريحة من كثرة الطعن، حتى أصبحت ذات فضل على البشر المقاتلين، ونرى أن الشاعر يضفي دلالة الذل والعار على الجنيد ( القائد الفاشل ) فيطلب من المسلمين أن يشكروه على صنيعه بدل أن يحسدوه. وقد يكون هذا التباهي الفردي عند الشاعر سبيلًا اعتمده ليحرض المسلمين على السير في الجهاد والبطولة كما سار هو.
ولنقف مع الشاعر الفاتح الحكم بن عمرو التغلبي [1] في فتح مكران في بلاد فارس زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين يفتخر ببطولاته المتفردة في القتال إذ يقول [2] :
فإنّي لا يَذمُّ الجيشُ فعلي ... ... ولا سيفي يُذمُّ ولا سِناني
غداةَ أُرفِّعُ الأوباشَ رفعًا ... ... إلى السِّند العريضةِ والمدانِ
ومهرانٌ لنا في ما أردنا ... ... مطيعٌ غيرُ مُسترخِي الهوانِ
يؤكد الشاعر هنا أنَّهُ يقوم بالأفعال المشرّفةِ التي لا تذم من قبل الجيش في الجهاد، فسيفُهُ ورمحه يبليان بلاء عظيمًا في القتال، وهو يدحر الأعداء دحرًا بكل بطولةٍ وشجاعة، حيث يبحثون عن ملجأ لهم في بلاد السند والمدائن، أما القائد الفارسي فقد وقع في الذل إذ أصبح ضعيفًا خائر القوى مطيعًا للمسلمين في استسلامه، والشاعر هنا يمعن في استخدام ضميره الذاتي ليفتخر بنفسه إذ انضوى تحت لواء الإسلام.
(1) له ذكرٌ في الفتوح، وهو الذي حاصر مكران، وهزم ملكها، وبعث بالفتح إلى عمر (ر) في قصة طويلة. الإصابة: 1/518.
(2) معجم البلدان: ياقوت الحموي: 5/179.