وأما علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فإنه لما فرغ من وقعة الجمل ودخل البصرة وشيع أم المؤمنين عائشة لما أرادت الرجوع إلى مكة سار من البصرة إلى الكوفة فنزل في الرحبة وصلى في الجامع الأعظم ركعتين ثم خطب الناس فحثهم على الخير ونهاهم عن الشر , ثم بعث إلى جرير بن عبد الله وكان على همذان من زمن عثمان وإلى الأشعث بن قيس وهو على نيابة أذربيجان من زمن عثمان - رضي الله عنه - أن يأخذ البيعة على من هنالك من الرعايا ثم يقبلا إليه ففعلا ذلك. فلما أراد علي رضي الله عنه أن يبعث إلى معاوية - رضي الله عنه - يدعوه إلى بيعته قال جرير بن عبد الله أنا اذهب إليه يا أمير المؤمنين فإن بيني وبينه ودًا , فآخذ لك البيعة منه وكتب معه كتابًا إلى معاوية يعلمه باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته. فلما انتهى إليه جرير بن عبد الله أعطاه الكتاب فطلب معاوية عمرو بن العاص ورؤوس أهل الشام فاستشارهم فأبوا أن يبايعوا حتى يقتل قتلة عثمان أو يسلم إليهم قتلة عثمان فرجع جرير إلى علي فأخبره بما قالوا , وخرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب من الكوفة عازمًا على الدخول إلى الشام واستخلف على الكوفة أبا مسعود , وبلغ معاوية أن عليًا قد خرج بنفسه فاستشار عمرو بن العاص فقال له: اخرج أنت أيضًا بنفسك وتهيأ أهل الشام وتأهبوا وخرجوا إلى نحو الفرات من ناحية صفين حيث يكون َمقدم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فتلقاهم أبو الأعور عمرو بن سفيان السلمي في مقدمة أهل الشام فتوافقوا , ودعاهم زياد بن النضر أمير مقدمة أهل العراق إلى البيعة فلم يجيبوه بشيء فكتب إلى علي بذلك فبعث إليهم علي الأشتر النخعي أميرًا وعلى ميمنته زياد وعلى ميسرته شريح , وأمره أن لا يتقدم إليهم بقتال حتى يبدءوه بالقتال ولكن ليدعُهم إلى البيعة مرة بعد مرة , فإن امتنعوا فلا يقاتلهم حتى يقاتلوه ولا يقرب منهم قرب من يريد الحرب ولا يبتعد منهم ابتعاد من يهاب الرجال