الصفحة 22 من 83

وعليه فإنَّ خلاصة هذه المسألة أنه يجوز تحديد أزمنة محدَّدة لمصلحة تيسير أمر الحجاج من عدم الزحام ونحو ذلك، (وإلا فالأصل أنه ما وجد سَعَة وما وجد فُسحة فإنه لا يجوز مَنعهم بحالٍ) ؛ فمن أراد قَصْدَ الحج في أي يومٍ من أيام السنة فإنه يُيَسَّر له ذلك ولا يُمنَعُ منه على وجه العموم؛ فينبغي أن يُغَلَّبَ هذا الأصلُ على العِلَّةِ وعلى النازلة قَدْر الإمكان، إلا إذا كان في ذلك علة أو نازلة ظاهرة بيِّنة؛ فإنها تُغلَّبُ لعِلَّةٍ ظاهرةٍ تتعلق بمقاصد التشريع؛ لثبوت ذلك عن بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

ومن المسائل النازلة في هذا الباب ما يُسمَّى في عصرنا بـ"قوافل"أو"حملات الحج"؛ هذه القوافل وحملات الحج هي من النوازل في هذا الزمان، وقد تباين الناسُ في هذا الباب؛ بين مُغالٍ وغير مُغالٍ، بين مُتَّبعٍ للمشقة، وبين مُتَّبعٍ للتيسير والسعة، وبين مُسرفٍ يدفع الغالي والنفيس؛ لتقليل الراحة وطلب السَّعة، وعدم النظر إلى أصْل المشقةِ في الحج؛ وذلك أن الشارع قد سمَّى الحج جهادًا، فقد جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في البخاري من حديث عائشة عليها - رضوان الله تعالى - أنه قال:"على النساء جهاد لا قتال فيه"وقال:"الحج"، وقد جاء في غير البخاري بذكر العمرة، وهي غير محفوظة؛ فسمَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحجَّ جهادًا؛ وذلك لما فيه من الجهد والمشقة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كانوا - عليهم رضوان الله تعالى - مع يُسر بعضهم إلا أنه يَتَحيَّن التقشف والتقلل وعدم تلمُّس المبالغة بالراحة؛ كما جاء عن أنس بن مالك - عليه رضوان الله تعالى - في المسند وغيره من حديث يزيد بن أبان عن أنس بن مالك قال: حج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رَحلٍ رَثٍّ، وقميصه لا يساوي أربعة دراهم، وحَجَّ أنس بن مالك عليه رضوان الله تعالى على ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت