الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ المتقين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بعثه الله بالحق بشيرًا ونذيرًا، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن الله العزيز الحميد. فاللهم صلى وسلم عليه وعلى إخوانه النبيين والمرسلين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
لا يليق بعاقل رشيد عرف كمال حكمة الله وسعة رحمته، وعرف واقع وما هم فيه من هرج ومرج وفساد وضلال، أن ينكر حاجة البشر إلى قيادة رشيدة، عمادها وحي الله وشريعته، تعتصم به، وتدعوا الناس إليه وتهديهم إلى سواء السبيل .
فإن الانسان قد يقصر عقله في كثير من أحواله وشؤونه عن التمييز بين الحسن من الأفعال وقبيحها ونافعها وضارها، وقد يعجز عن العلم بما يجب عليه عمله، وقد يتردد في أمر من شؤون حياته وتملكه الحيرة فيه، إما لعارض هوى وشهوة، وإما لتزاحم الدواعي واختلافها، فكان في أشد الحاجة إلى من ينقذه من الحيرة، ويكشف له حجاب الضلالة بنور الهداية .
ثم إن تفاوت العقول والمدارك وتباين الأفكار وإختلاف الأغراض والمنازع ينشأ عنه تضارب الآراء وتناقض المذاهب ، وذلك مما يفضي إلى سفك الدماء ، ونهب الأموال ، والإعتداء على الأعراض ، وإنتهاك الحرمات ، وبالجملة ينتهي بالناس إلى تخريب وتدمير ، لا إلى تنظيم وحسن تدبير ، ولا يرتفع هذا إلا برسول يبعثه الله بفصل الخطاب ، ليقيم به الحجة ، ويوضح به المحجة ، فاقتضت حكمة الله أن يرسل رسله بالهدى ودين الحق رحمة منه بعباده ، واقامة للعدل بينهم ، وتبصيرًا لهم بما يجب عليهم من حقوق خالِقهم وحقوق انفسهم وإخوانهم ، وإعانةً لهم على أنفسهم ، وإعذارًا إليهم ، فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله سبحانه. من اجل ذلك أُرسِلَ الرسل ، وأنزل الكتب )3 ، وبعد تعريف الدعوة لا بد لنا من معرفة الداعي الأول
الداعي الأول ختم الأنبياء والمرسلين
محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم