ولو لم يكن فيها إلا هذه المفسدة لكفى بها مبررًا لتحريمها والتحذير منها .
وإن زعم شخص انه سوف يخليه مما تقدم قلنا له المولد بحد ذاته هو مظهر من مظاهر الغلو المذموم فضلا عما يحتويه من طوام عظيمة وبدعة في الدين محدثة لم يشرعها ولم يأذن بها الله .
اعلم أنه على مدى ما يزيد على ثلاثمائة وخمسين سنة من بعثة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، لم يحتفل أحد من العلماء ولا من الحكام ولا حتى من عامة الناس بالمولد النبوي، ولا أمر به أو حث عليه أو تكلم به. قال الحافظ السخاوي:"عمل المولد الشريف لم ينقل عن أحد من السلف الصالح في القرون الثلاثة الفاضلة وإنما حدث بعد".أهـ
لقد أحدث هذا الأمر -أعني المولد النبوي- الخلفاء الفاطميون. يقول الإمام المقريزي، رحمه الله:"وكان للخلفاء الفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم وهي: رأس السنة.. وأول العام..ويوم عاشوراء.. ومولد النبي صلى الله عليه وسلم..، ومولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومولد الحسن والحسين رضي الله عنهما، ومولد فاطمة الزهراء رضي الله، ومولد الخليفة الحاضر، وليلة أول رجب، وليلة نصفه، وموسم ليلة رمضان، وغرة رمضان، وسماط رمضان، وليلة الختم، وموسم عيد الفطر، وموسم عيد النحر، وعيد الغدير، وكسوة الشتاء، وكسوة الصيف، وموسم فتح الخليج، ويوم النيروز، ويوم الغطاس، ويوم الميلاد، وخميس العدس، وأيام الركوبات"· وقال المقريزي:"وفي ربيع الأول ألزم الناس بوقود القناديل بالليل في سائر الشوارع والأزقة بمصر". وقال:"وجرى الرسم في عمل المولد الكريم النبوي في ربيع الأول على العادة"..
وقال:"وكان الأفضل بن أمير الجيوش قد أبطل أمر الموالد الأربعة: النبوي ، والعلوي ، والفاطمي ، والإمام الحاضر ولكن أعادها الخليفة الآمر بأحكام الله"أ.هـ
فعلى هذا أول من أحدث ما يسمى بالمولد النبوي هم بنو عبيد الذين اشتهروا بالفاطميين.