الصفحة 6 من 177

كم نحن بحاجة اليوم إلى الاعتراف بالاختلاف، والتيقن من سر أنه الخلق، وفطرة الله التي فطر الناس عليها، وأنه لا سبيل إلى تبديل خلق الله، سواء على مستوى الذات أو (الآخر) ، وأن كرامة الإنسان أصلًا منوطة بأنه أهلٌ لحرية الاختيار، وليس مبرمجًا على الطاعة وعدم المعصية كالملائكة، وأن هذا الاختيار يمكن أن يؤدي به إلى الطاعة أو إلى المعصية، وأن المسؤولية الشرعية هي فرع لحرية الاختيار، وأن ممارسة الأهلية والإنسانية (الاختيار) تعني القبول بالتباين والاختلاف في وجهات النظر، تبعًا للتباين بالمواهب والإمكانات والكسب العلمي والمعرفي، وهكذا سنة الحياة، إذ تستحيل الحياة وتصبح لا معنى لها، ولا تدفق لمجراها، إذا كان الناس جميعًا نسخة مكررة، ولا أدل على ذلك من الحال التي انتهت إليها الأنظمة الشمولية والدكتاتورية، حيث فشلت وسقطت؛ لأنها أرادت أن يكون الناس نسخة مكررة من التجمد والتخلف والتقليد والتراجع، لأنها لم تسمح إلا أن يكون الناس نسخة مستنسخة أو مكررة عن الزعيم، وهذا ضد الطبيعة البشرية، وضد سنن الحياة وسبل نموها، وبناء الحضارة، وقيام العمران الإنساني.

ولعلنا نقول: بأن الخلاف والتنوع الواقع تاريخيًا في الحياة الإسلامية، كان وراء هذا الإنتاج الضخم من التراث العلمي والثقافي وإنضاج الكثير من المناهج والقواعد والعلوم:

-فاختلاف أهل الكتاب في كتابهم، وما انتهت إليه حالهم، وتعاملهم مع النص الإلهي، هو الذي أدى إلى الفزع على النص القرآني، ودعا المسلمين، بعد معركة اليمامة، إلى جمع القرآن.

-والاختلاف حول حدود النص القرآني، هو الذي أدى إلى نسخ القرآن، واعتماد ما اصطلح على تسميته «بمصحف الإمام» زمن سيدنا عثمان رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت