بعد إتيانك بالأمر السابق ، وبعد أن بذلتَ الجَهْد ، وعملتَ بالأسباب ، فلا تحزن إن فشلتَ أو لم يتحقق هدفك ، بل ارْضَ بما قَسَم الله لك ، واعلم أن الخيرة فيما اختاره الله ، واعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك ، وما أخطأك لم يكن ليصيبك ، رُفِعَت الأقلام وجَفَّت الصحف .
? ثم هاهنا مبحثان:
المبحث الأول: في التفكير:
هناك أمور لابد من استشعارها حتى يصبح التفكير ناجحًا ويُؤتي ثماره ، وهي على النحو التالي:
? أولًا: أن يعلم الإنسان أنَّ من أعظم نعم الله على العبد أن وهبه عقلًا يفكِّر به ، ويميّز به ، فبالتفكير يزداد يقين العبد ، وبالتفكير يعرف العبد آيات الله في الكون ، وفي نفسه.
? ثانيًا: أن هذا العقل إنما يستفيد منه حق الاستفادة مَن كان يريد أن يصنع الحياة ، لا مَن يريد أن يكون متفرِّجًا فقط على ما يحدث في الحياة .
? ثالثًا: كثرة التساؤل عن ما يراد تحقيقه مطلب مهم، إذ الأسئلة تستثير الأفكار ، وتوقظها وتجعلها في حالة تطور وتكاثر لا يتوقف .
? رابعًا: ابدأ العمل من حيث انتهى الآخرون لا من حيث بدءوا ، فإن مَنْ يَسِيْر في خُطى الآخرين لا يَتْرُك أثرًا مهما طال مسيره ، ثم استغل الأفكار الإبداعية.
فهاهو الإمام البخاري ـ يرحمه الله ـ يستغلُّ فكرة عابرة خلَّدتْ ذكره ، ورفعتْ منزلته رحمه الله ، وذلك لما ألّف كتابه: [ الجامع الصحيح ] . قال البخاري ـ رحمه الله ـ:"كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال لنا بعض أصحابنا:لو جمعتم كتابًا مختصرًا في الصحيح لسنن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكانت الكتب قبل ذلك تَجْمَع الصحيح والضعيف ، فوقع ذلك في قلبي فأخذتُ في جَمْع هذا الكتاب ـ يعني: كتاب صحيح البخاري ـ".