إن هذا القلب البشري سريع التقلب , سريع النسيان . وهو يشف ويشرق فيفيض بالنور , ويرف كالشعاع ; فإذا طال عليه الأمد بلا تذكير ولا تذكر تبلد وقسا , وانطمست إشراقته , وأظلم وأعتم ! فلا بد من تذكير هذا القلب حتى يذكر ويخشع , ولا بد من الطرق عليه حتى يرق ويشف ; ولا بد من اليقظة الدائمة كي لا يصيبه التبلد و القساوة .
ولكن لا يأس من قلب خمد وجمد وقسا وتبلد . فإنه يمكن أن تدب فيه الحياة , وأن يشرق فيه النور , وأن يخشع لذكر الله . فالله يحيي الأرض بعد موتها , فتنبض بالحياة , وتزخر بالنبت والزهر , وتمنح الأكل والثمار . . وكذلك القلوب حين يشاء الله {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} . . وفي هذا القرآن ما يحيي القلوب كما تحيا الأرض ; وما يمدها بالغذاء والري والدفء {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} .
أما حديث النبي - صلى الله عليه وسلم:
(( خاب عبد وخسر لم يجعل الله تعالى في قلبه رحمة للبشر(1 ) )).
أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ _ قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ' الْحَسَنَ بْنَ عَلِىٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِىُّ جَالِسًا . فَقَالَ الأَقْرَعُ إِنَّ لِى عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا . فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ' ثُمَّ قَالَ « مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ (2) »
عَنْ عَائِشَةَ ~ قَالَتْ جَاءَ أَعْرَابِىٌّ إِلَى النَّبِىِّ 'فَقَالَ تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ . فَقَالَ النَّبِىُّ ' « أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ (3) »
مظاهر قسوة القلب
(1) رواه الحسن بن سفيان والدولابي والديلمي وابن عساكر وذكره الألباني في الصحيحة برقم 456- وقال حسن
(2) رواه البخاري
(3) رواه البخاري