الصفحة 38 من 54

قال رحمه الله: (فإن الأمصار الكبار التي سكنها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وخرج منها العلم والإيمان خمسة: الحَرَمَانِ، والعِرَاقَانِ، والشام، ومنها خرج القرآن والحديث، والفقه والعبادة وما يتبع ذلك من أمور الإسلام، وخرج من هذه الأمصار بدع أصولها غير المدينة النبوية، فالكوفة خرج منها التشيع والإرجاء، وانتشر بعد ذلك في غيرها، والبصرة خرج منها القدر، والاعتزال، والنسك الفاسد، وانتشر بعد ذلك في غيرها، والشام كان بها النصب والقدر، أما التجهم فإنما ظهر في ناحية خراسان وهو شر البدع، وكان ظهور البدع بحسب البعد عن الدار النبوية، فلما حدثت الفرقة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه ظهرت بدعة الحرورية، وأما المدينة النبوية فكانت سليمة من ظهور البدع وإن كان بها من هو مضمر لذلك فكان عندهم مهانًا مذمومًا ما إذا كان بها قوم من القدرية وغيرهم، ولكن كانوا مقهورين ذليلين، بخلاف التشيع والإرجاء بالكوفة، والاعتزال وبدع النساك بالبصرة، والنصب بالشام، فإنه كان ظاهرًا، وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المدينة:(لا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ) [1] ، ولم يزل العلم والإيمان بها ظاهرًا إلى زمن أصحاب مالك، وهو من أهل القرن الرابع، فأما العصور الثلاثة المفضلة فلم يكن فيها بالمدينة بدعة ظاهرة البتة، ولا خرج منها بدعة في أصول الدين البتة كما خرج من سائر الأمصار) [2] .

أسباب البدع:

ذكر الإمام الشاطبي رحمه الله أسبابًا كثيرة كانت سببًا في ظهور البدع وانتشارها، سنذكرها مجملة مخافة الإطالة، ومن هذه الأسباب:

(1) الجهل فهو أعظم آفة.

(2) اتباع الهوى.

(3) التعلق بالشبهات.

(1) رواه البخاري ـ كتاب الحج ـ باب لا يدخل المدينة الدجال (1746) .

(2) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (20/300) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت