فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 187

لقوله تعالى (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) الشورى 21، والدين- في أحد معانيه- هو نظام حياة الناس حقًا كان أو باطلًا لقوله تعالى (لكم دينكم ولي دين) فسمّى الله سبحانه ما عليه الكفار من الكفر دينًا. فمن شرع للناس فقد جعل نفسه إلها لهم وشريكا مع الله، هذا دليل. ودليل آخر على كفر هؤلاء النواب هو أنهم بتشريعهم للناس من دون الله قد نصبوا أنفسهم أربابا لهم من دونه سبحانه، وهذا الكفر بعينه كما قال تعالى {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} آل عمران 64، وقد كانت هذه الربوبية المذكورة في الآية بالتشريع من دون الله كما هي في قوله تعالى {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه ِ} التوبة:31، وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه- وكان نصرانيا فأسلم- قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى على هذه الآية (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) قال: فقلت: يا رسول الله إنا لم نتخذهم أربابا، قال: (بلى، أليس يحلون لكم ما حرم عليكم فتحلونه، ويحرمون عليكم ما أحل لكم فتحرمونه؟) فقلت: بلى، قال (فتلك عبادتهم) . رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن. قال الألوسي في تفسير هذه الآية (الأكثرون من المفسرين قالوا: ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم) أهـ. وهذا كله يبين أن من شرّع للناس من دون الله، كأحبار اليهود ورهبان النصارى ونواب البرلمانات، فقد جعل نفسه ربًا لهم، وكفى به كفرًا مبينًا. ومَن كان مِن هؤلاء النواب راضيا بهذه الوظيفة الشركية للبرلمانات أو مشاركا فيها فهذا كفره ظاهر لاشك فيه، أما من يدعي من النواب أنه غير راض ٍ عن ذلك وأنه ما دخل إلا للدعوة والإصلاح فهو كافر أيضا وقوله هذا ما هو إلا حيلة يخدع بها العوام والجهال وتقيّة يدرأ بها عن نفسه، أما سبب كفره فهو أن دخوله هذه البرلمانات إقرار منه بشرعية عملها - وهو التحاكم لآراء البشر- والتزام منه بمبادئها وبمبادئ الدستور الذي قامت بموجبه، وهذا كله تحاكُم طَوْعي منه للطاغوت يكفر فاعله، فالله تعالى يقول {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} الشورى 10، والديمقراطية تنص على أن: ما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى نواب الشعب في البرلمان أو إلى عموم الشعب في الاستفتاء. وكل نواب مجلس الشعب ملتزمون بهذا المبدأ الكفري ولو أظهروا أدنى معارضة له لتم فصلهم من المجلس بموجب لائحته، ومن أظهر لنا الكفر أظهرنا له التكفير. ويكفر هذا الصنف أيضا لقوله تعالى {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} النساء 140، وهذه البرلمانات مؤسسة على الكفر بآيات الله إذ كانت وظيفتها الأولى التشريع من دونه سبحانه، فمن قعد معهم فهو مثلهم في الكفر فكيف بمن التزم بقوانينها؟. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) الحديث، متفق عليه، فكيف بمن لم يتق الكفر كهؤلاء النواب، كيف يسلم لهم دينهم؟، وكيف يريدون أن يكف الناس عن أعراضهم وهم متلبسون بالكفر؟.

وهناك وظيفة ك فرية أخرى لأعضاء البرلمانات يغفل عنها البعض، فليست وظيفتهم الوحيدة تولي سلطة التشريع من دون الله، بل تنص جميع الدساتير العلمانية المعاصرة على أن البرلمان هو الذي يقر السياسة العامة للدولة ويمارس الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية أي الحكومة، وأن الحكومة مسئولة أمام البرلمان. وهذا يعني أن جميع ما تمارسه الحكومات من الكفر -كالحكم بالقوانين الوضعية و أتباع المنهج العلماني (اللاديني) في السياستين الخارجية والداخلية وفي التعليم والإعلام والاقتصاد وغيرها-كل هذا يُقره أعضاء البرلمانات ويجيزون الحكومات في العمل به بل ولهم حق محاسبة الحكومة إذا حادت عن هذا الكفر، ولاشك في كفر من أقر الكفر أو أجاز العمل به. وقال الشيخ ابن باز نفسه في شرح الناقض الرابع من نواقض الإسلام العشرة التي جمعها شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب، قال ابن باز (ويدخل في ذلك أيضا كل من اعتقد أنه يجوز الحكم بغير شريعة الله في المعاملات والحدود أو غيرهما، وإن لم يعتقد أن ذلك أفضل من حكم الشريعة، لأنه بذلك يكون قد استباح ما حرَّم الله إجماعا، وكل من استباح ما حرّم الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة كالزنا والخمر والربا والحكم بغير شريعة الله فهو كافر بإجماع المسلمين) أهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت