بينا. يقول ابن القيم (ت، 751هـ) في كتابه 'إعلام الموقعين' أن"الناس متفاوتون في مراتب الفهم في النصوص، منهم من يفهم من الآية حكما أو حكمين، ومنهم من يفهم عشرة أحكام، أو أكثر من ذلك، ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ دون سياقه، ودون إيمائه وإشارته وتنبيهه واعتباره ..." (ج1: ص 354) . وفي موضع آخر يقول أن دلالة النصوص نوعان: حقيقة وإضافية، فالحقيقة تابعة لقصد المتكلم وإرادته، وهذه الدلالة لا تختلف. والإضافية تابعة لفهم السامع وإدراكه، وجودة فكره، وقريحته، وصفاء ذهنه، ومعرفته بالألفاظ ومراتبها، وهذه الدلالة تختلف اختلافا متباينا بحسب تباين السامعين - أو القارئين للنص - في ذلك" (ج1: ص 350) ."
وفيما يخص تفاوت الناس في فهم النصوص أو الوثائق وما تدل عليه، فلقد ذكر كنت (1979) مثالا يفيد في توضيح هذه النقطة، حيث ذكر أن"أحد التمرينات الدراسية، الذي عرضت فيه على مجموعة من الطلبة وثيقة مطبوعة، وطلب منهم إعداد خمسة مداخل كشفية لها. وكانت الوثيقة المطبوعة هي رسم كاريكاتيري" (كنت، 1979، ص 135) . هذا الرسم اسمه 'العالم الغريب للسيد موم' ويتكون من كانجاور في قفص، وسيدتان بجانب القفص تتحدثان، ومع إحداهن عربة فيها كانجاور صغير، والطفل الذي يفترض أن يكون في العربة موجود في داخل القفص مع الكانجاور. أعطي هذا الرسم لعدد من الأفراد، وطُلب من كل واحد أن يعبر عن هذا الرسم الكاريكاتيري، وبعد أن جمعت التعليقات، اتضح أن كل واحد عبر بطريقة مغايرة لما عبر به الآخر. فمن هذه التجربة يتضح لنا تفاوت الناس في التعبير عن هذه الوثيقة، وهي عبارة عن رسم واضح، ولكن كل واحد عبر عن أفكار مختلفة، وكذلك اختار مصطلحات مختلفة للتعبير عن نفس الأفكار (كنت، 1979، ص 136) .
إن إلقاء نظرة واحدة على كشافات آيات القرآن الموضوعية كفيلة بأن تجلي لنا مدى التفاوت الذي يحدث بين المكشفين في تحديد دلالات آيات القرآن. فعلى سبيل المثال انظر المقارنة التي صنعها مهنا (1970) بين كشافه 'تبويب آي القرآن الكريم من الناحية الموضوعية' وبين كشاف 'تفصيل آيات القرآن الحكيم' لجول لابوم. وأنظر أيضا المقارنة التي صنعها إسماعيل (1413) لكشافه 'تصنيف آيات القرآن الكريم' مع كشاف 'تبويب