نَبَّهَ ، قِيلَ: بَلْ نَبَّهَ عَلَى الْقِسْمَيْنِ . وقَوْله تَعَالَى { آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا رَمْزًا } قَدْ ذَكَرَ هَذَا فِي قَوْلِهِ: { ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا } وَهُنَاكَ لَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا ، وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ وَالْمَعْنَى آيَتُك أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ لَكِنْ تَرْمُزُ لَهُمْ رَمْزًا كَنَظَائِرِهِ فِي الْقُرْآنِ ، وَقَوْلُهُ: { فَأَوْحَى إلَيْهِمْ } هُوَ الرَّمْزُ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الرَّمْزَ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ لَكَانَ قَدْ دَخَلَ فِي الْكَلَامِ الْمُقَيَّدِ بِالِاسْتِثْنَاءِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ } . وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَدْخُلَ فِي لَفْظِ الْكَلَامِ الْمُطْلَقِ ؛ فَلَيْسَ فِي لُغَةِ الْقَوْمِ أَصْلًا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا فِي النَّفْسِ يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُ الْكَلَامِ وَالْقَوْلُ الْمُطْلَقُ ؛ فَضْلًا عَنْ التَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ فَعُلِمَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُصَدِّقْ بِلِسَانِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ لَا يُسَمَّى فِي لُغَةِ الْقَوْمِ مُؤْمِنًا كَمَا اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ سَلَفُ الْأُمَّةِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ . وَقَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ زَوَّرْت فِي نَفْسِي مُقَالَةً أَرَدْت أَنْ أَقُولَهَا حُجَّةً عَلَيْهِمْ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: التَّزْوِيرُ: إصْلَاحُ الْكَلَامِ وَتَهْيِئَتُهُ قَالَ: وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: الْمُزَوَّرُ مِنْ الْكَلَامِ وَالْمُزَوَّقُ وَاحِدٌ وَهُوَ الْمُصْلَحُ الْحَسَنُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ: زَوَّرْت فِي نَفْسِي مُقَالَةً أَيْ هَيَّأْتهَا لِأَقُولَهَا . فَلَفْظُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدَّرَ فِي نَفْسِهِ مَا يُرِيدُ أَنْ يَقُولَهُ وَلَمْ يَقُلْهُ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ قَوْلًا إلَّا إذَا قِيلَ بِاللِّسَانِ وَقَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَوْلًا لَكِنْ كَانَ مُقَدَّرًا فِي النَّفْسِ يُرَادُ أَنْ يُقَالَ كَمَا يُقَدِّرُ الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ يَحُجُّ وَأَنَّهُ يُصَلِّي وَأَنَّهُ يُسَافِرُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَيَكُونُ لِمَا يُرِيدُهُ مِنْ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ صُورَةٌ ذِهْنِيَّةٌ مُقَدَّرَةٌ فِي النَّفْسِ وَلَكِنْ لَا يُسَمَّى قَوْلًا وَعَمَلًا إلَّا إذَا وُجِدَ فِي الْخَارِجِ كَمَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَاجًّا وَمُصَلِّيًا إلَّا إذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الْأَفْعَالُ فِي الْخَارِجِ وَلِهَذَا كَانَ مَا يَهُمُّ بِهِ الْمَرْءُ مِنْ الْأَقْوَالِ الْمُحَرَّمَةِ وَالْأَفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ لَا تُكْتَبُ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُولَهُ وَيَفْعَلَهُ وَمَا هَمَّ بِهِ مِنْ الْقَوْلِ الْحَسَنِ وَالْعَمَلِ الْحَسَنِ إنَّمَا يُكْتَبُ لَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا صَارَ قَوْلًا وَفِعْلًا كُتِبَ لَهُ بِهِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ إلَى سَبْعِمِائَةٍ وَعُوقِبَ عَلَيْهِ - إذَا قَالَ أَوْ فَعَلَ - كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" { إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ } ". وَأَمَّا الْبَيْتُ الَّذِي يُحْكَى عَنْ الْأَخْطَلِ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلًا فَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ شِعْرِهِ . وَقَالُوا: إنَّهُمْ فَتَّشُوا دَوَاوِينَهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ ، وَهَذَا يُرْوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْخَشَّابِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَفْظُهُ: إنَّ الْبَيَانَ لَفِي الْفُؤَادِ . وَلَوْ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ فِي مَسْأَلَةٍ بِحَدِيثِ أَخْرَجَاهُ فِي"الصَّحِيحَيْنِ"عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَالُوا: هَذَا خَبَرٌ وَاحِدٌ وَيَكُونُ مِمَّا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَصْدِيقِهِ وَتَلَقِّيهِ بِالْقَبُولِ وَهَذَا الْبَيْتُ لَمْ يُثْبِتْ نَقْلَهُ عَنْ قَائِلِهِ بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ لَا وَاحِدٌ وَلَا أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ وَلَا تَلَقَّاهُ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ بِالْقَبُولِ فَكَيْفَ يَثْبُتُ بِهِ أَدْنَى شَيْءٍ مِنْ اللُّغَةِ فَضْلًا عَنْ مُسَمَّى الْكَلَامِ . ثُمَّ يُقَالُ: مُسَمَّى الْكَلَامِ وَالْقَوْلِ وَنَحْوِهِمَا لَيْسَ هُوَ مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى قَوْلِ شَاعِرٍ فَإِنَّ هَذَا مِمَّا تَكَلَّمَ بِهِ الْأَوَّلُونَ والآخرون مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَعَرَفُوا مَعْنَاهُ فِي لُغَتِهِمْ كَمَا عَرَفُوا