أنه لا واسطة بين الصدق والكذب، وأن كل ما كان على خلاف المخبر كان كذبًا، سواء كان مع العلم أو لا، خلافًا للجاحظ وغيره من المعتزلة حيث قالوا: إن ما كان منه مع الجهل لا يسمى صدقًا ولا كذبًا، ووجه الدلالة من الحديث أنه لولا أن الكذب يطلق على غير العمد لما كان في التقييد بالتعمد في الحديث فائدة.
296-وقوله صلى الله عليه وسلم: (( فليتبوأ ) )، أي: فلينزل، وأصله من مباءة الإبل، أي: أعطانها، قيل: هو دعاء بمعنى الأمر، وقيل: هو خبر بلفظ الأمر، أي: استوجب ذلك واستحقه.
297-وقد تضمن هذا الحديث المتواتر تحريم الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، وأن تعمده فاحشة كبيرة، وعلى هذا إجماع المسلمين سلفًا وخلفًا إلا ما يحكى عن شذوذ من الكرامية أنهم جوزوا وضع الحديث في الترغيب والترهيب، زاعمين أن هذا كذب للنبي صلى الله عليه وسلم لا عليه، وهو قول ساقط ظاهر الفساد، وتمسك بعضهم بما في طرق هذا الحديث من رواية ابن مسعود: (( من كذب علي متعمدًا ليضل به الناس ) )، وهو تمسك باطل، لأن اللام هنا ليست للتعليل بل للعاقبة كما في قوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنًا} ، وقول الشاعر:
لدوا للموت وابنوا للخراب ...
298-فإن قيل: إذا كان هذا الوعيد إنما هو لمن تعمد ذلك حملًا للأحاديث المطلقة على المقيدة، فلم تحرج الزبير رضي الله عنه من الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟
299-قلنا: لخوفه من الوقوع في المحذور، أو مقاربته كما قال صلى الله عليه وسلم: (( كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ) )، ثم إن المشهور من مذاهب