قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"المقصود من القضاء ، وصول الحقوق إلى أهلها، وقطع المخاصمة ، فوصول الحقوق هو المصلحة ، وقطع المخاصمة إزالة المفسدة ، فالمقصود هو جلب تلك المصلحة ، وإزالة هذه المفسدة ، ووصول الحقوق هو من العدل الذي تقوم به السماء والأرض ، وقطع الخصومة هو من باب دفع الظلم والضرر ، وكلاهما ينقسم إلى إبقاء موجود ، ودفع مفقود ، ففي وصول الحقوق إلى مستحقها ، يحفظ موجودها ، ويحصل مقصودها، وفي الخصومة يقطع ، موجودها ويدفع مفقودها ، فإذا حصل الصلح زالت الخصومة التي هي إحدى المقصودين" [ مجموع الفتاوى 35 / 355 ] .
إذن لا يشك أحد في أهمية القضاء في كل زمان ومكان ، فهو كالملح للطعام ، لا سيما إن كان القضاة هم العلماء ، فلا غنى لبشر عنهم ، لأن العلماء ورثة الأنبياء ، والأنبياء قضاة أقوامهم ، وحكماء دولهم ، بهم تزهو الشعوب ، وينتشر الخير ، ويعم الرخاء ، وتزول المدلهمات ، وتنقشع الملمات ، فهم كالغيث أينما حل نفع .
قال صلى الله عليه وسلم:"لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض ، إلا أمَّروا عليهم أحدهم" [ أخرجه أحمد بإسناد صحيح ] .
وعند البزار بسند صحيح:"إذا كانوا ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم".
في ذلك دليل على أنه يشرع لكل عدد زاد عن الاثنين ، أن يؤمروا أحدهم ، منعًا للخلاف الذي يؤدي إلى التلاف ، حتى لا يستبد كل إنسان برأيه ، فيهلك الجميع ، لذلك شرع الشارع الحكيم القضاء ووجود القضاة بين الناس ، وإذا كان ذلك بين العدد القليل في السفر ، فوجود القضاة في الحضر مع تزايد أعداد السكان لهو أحرى وأوجب ، لأن الناس يحتاجون لدفع التظالم ، وفصل التخاصم ، فلهذا يجب تنصيب الولاة والحكام والقضاة للسيطرة على أمور الناس ، ومنع الظلم ، وإعطاء كل ذي حق حقه [ نيل الأوطار 8 / 258 بتصرف ] .