اتحاد أصلها من أبيهم آدم وأمهم حواء وهى مخلوقة منه؛ فمن تأمل ذلك علم أن خلق آدم وتصويره متضمن لخلق ذريته وتصويرهم حقيقة لا مجازيًا والحمد لله. وقوله تعالى: {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ} بيان شرف الجنس الإنساني بشرف آدم عليه السلام؛ الذي أمر الله ملائكته بالسجود له تكريمًا له، وامتثالًا وعبودية للَّه سبحانه، وتعظيمًا لأمره عز وجل، ولقد نال هذا الشرف كل إنسان حافظ على إنسانيته بالمحافظة على الوظيفة التي خلق من أجلها الإنسان: وهى عبودية الله سبحانه، وضيّع هذا الشرف من ضيّع هذه الوظيفة؛ فعاش في الدنيا عيشة البهائم السائمة، بل الشياطين الماردة حين كفروا بالله وعصوا رسله، وقد سبق بيان دخول إبليس في هذا الأمر في الكلام على القصة من سورة البقرة، ولهذا كان استثناؤه من سجود الملائكة استثناءًا متصلا. قال تعالى: {إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} ذكر سبحانه هنا الترك من إبليس مجردا عن ذكر سببه؛ وهو الإباء والاستكبار المبينين في مواضع أخرى من القرآن، وعقب ذكر هذا الترك المجرد بسؤاله عن سببه؛ وهو عز وجل أعلم به، وفي هذا والله أعلم بيان أن من ترك ما أمر الله به سئل أولًا ما الذي منعك من الطاعة؟ أو ما أوقعك في المعصية؟ فالرب سبحانه مع علمه المحيط السابق لم يلعن إبليس ويهبطه، إلا لما أظهر الكبر والإباء، فنحن أولى بذلك قطعا في أحكام الدنيا: أن من ترك شيئا من الواجبات، ولو كان السجود للَّه ـ الصلاة نعني ـ فضلا عن غيرها أو وقع في المعصية أن نسأله ما الذي منعك من الطاعة؟ فإن ذكر اعترافا بالذنب؛ كما فعل آدم عليه السلام، وهذا يتضمن تصديقا والتزاما لأمر الله سبحانه، كان ذلك معصية يعامل صاحبها بما شرع الله فيها، وإن ذكر إباءًا أو استكبارا، أو جحودا وتكذيبا؛ كان كفرًا والعياذ بالله؛ فيعامل بمقتضاه والله أعلم. قوله تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: 12] .