الجواد الكريم خلاف ما هو موصوف به من الجود والإحسان والبر وتعرض لإغضابه وإسخاطه وانتقامه وأن يصير غضبه وسخطه في موضع رضاه وانتقامه وعقوبته في موضع كرمه وبره وعطائه واستدعى بمعصيته من أفعاله ما سواه أحب إليه منه وخلاف ما هو من لوازم ذاته من الجود والإحسان. فبينما هو حبيبه المقرب المخصوص بالكرامة إذا انقلب آبقًا شاردًا، رادًا لكرامته مائلًا عنه إلى عدوه مع شدة حاجته إليه وعدم استغنائه عنه طرفة عين فبينما ذلك الحبيب مع العدو في طاعته وخدمته ناسيًا سيده منهمكًا في موافقة عدوه قد استدعى من سيده خلاف ما هو أهله إذا عرضت له فكرة فتذكر بر سيده وعطفه وجوده وكرمه وعلم أنه لابد له منه وأن مصيره إليه وعرضه عليه وأنه إن لم يقدم عليه بنفسه قُدِمَ به عليه على أسوأ الأحوال ففر إلى سيده من بلد عدوه وجد في الهرب إليه حتى وصل إلى بابه فوضع خده على عتبة بابه وتوسد ثرى أعتابه متذللآً متضرعًا خاشعًا باكيًا آسفًا يتملق سيده ويسترحمه ويستعطفه ويعتذر إليه قد ألقى بيده إليه واستسلم له وأعطاه قياده، وألقى إليه زمامه، فعلم سيده ما في قلبه فعاد مكان الغضب عليه رضًا عنه ومكان الشدّة عليه رحمة به وأبدله بالعقوبة عفوًا وبالمنع عطاءً وبالمؤاخذة حلمًا فاستدعى بالتوبة والرجوع من سيده ما هو أهله وما هو موجب أسمائه الحسنى وصفاته العلى فكيف يكون فرح سيده به وقد عاد إليه حبيبه ووليه طوعًا واختيارًا وراجع ما يحبه سيده منه ويرضاه وفتح طريق البر والإحسان والجود التي هي أحب إلى سيده من طريق الغضب والانتقام والعقوبة» ا هـ. فهل علمت أخي الكريم لماذا يجعل الله في الأرض مَن يفسد فيها ويسفك الدماء مع من يسبح بحمده ويقدس له؟ مع أن هذا المذكور هو قطرة في بحر حكمته البالغة، هو عز وجل الذي أحاط بها وأعلم مَن شاء من عباده بما شاء منها فله الحمد وهو الحكيم العليم. وتأمل ختم الملائكة كلامها في تنزيه الرب والتبري من العلم إلا ما علمهم بهذين الاسمين الكريمين: {إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 32] تجد فيها الفقه الأكبر بمعرفة الأسماء والصفات واستشعار آثارها وموجباتها في كل مقام، فالمقام هنا كان سؤالًا عن غيب: أَتَجْعَلُ