وخشية وقوع التصحيف والإبهام دأب القدماء في بعض مصنفاتهم على ضبط الأحرف المتشابهة بالكلمات ، فتجدهم يثبتون الفرق بين الحاء والجيم والخاء مثلا ، بقولهم عن الأولى ب ( المهملة ) ، والثانية ب ( المنقوطة من تحت ) ، والثالثة ب ( المنقوطة من فوق ) وهو يمثل درجة عالية من الاحتراز عن الغموض والإبهام في قراءة النص .
وربما لجأ بعضهم إلى أساليب أخرى لتجنب أي شكل من أشكال عدم وضوح الكتابة ، فقد أفاد القاضي عياض ، بأنه ينبغي للناسخ أن يحدد برمز خاص الحرف المهمل أيضا ، باعتبار أن غير المهمل يتحدد من خلال النقاط
(16) ابن الصلاح . مصدر سابق: ص 193 ـ 194 .
(17) ن . م: 198 .
(18) ن . م: 199 .
(19) العلموي . مصدر سابق: ص 135 .
من فوق أو تحت ، إذ يقول:
( وكما نأمره بنقط ما ينقط للبيان ، كذلك نأمره بتبيين المهمل ، بجعل علامة الاهمال تحته ، فيجعل تحت الحاء حاء صغيرة ، وكذلك تحت العين عينا صغيرة ، وكذلك الصاد والطاء والدال والراء ، وهو عمل بعض أهل المشرق والأندلس . . . ومنهم من يقلب النقط في المهملات ، فيجعله أسفل ، علامة لإهماله ) (20) .
تلك إشارات سريعة أفصحت عن بعض الملامح من منهج القدماء في صيانة التراث والحفاظ عليه ، والدقة والأمانة في نقله وتداوله ، وهذا المنهج الذي ولد في أحضان التراث ، استجاب في عصر الكتاب المخطوط وقبل ظهور الطباعة ، لحاجة ماسة في نفي التصحيف عن المخطوطات ، وتطابقها مع الأصل الذي كتبه المؤلف ، وحمايتها من أية محاولات غادرة للسطو ، أو التشويه ، أو لانتحال .
ومما لا شك فيه أن وصول عدد جيد من الكتب المخطوطة من تراث العصر الإسلامي الأول ، بصورة سالمة وصحيحة ، ما كان له أن يتم لولا العناية الفائقة المستندة إلى قواعد وتقاليد علمية دقيقة ، في نسخ الكتاب ، ومقابلته على الأصل ، والأمانة في تلقيه ونقله للآخرين .
بداية نشر التراث العربي الإسلامي