رُؤْيَةِ الْكَافِرِينَ لِلَّهِ وَكُلُّ قَوْلٍ حَادِثٍ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ فَهُوَ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ . وَقَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ أَيْضًا . الْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي"رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ"إنَّمَا هِيَ عَلَى طَرِيقِ الْبِشَارَةِ فَلَوْ شَارَكَهُمْ الْكُفَّارُ فِي ذَلِكَ بَطَلَتْ الْبِشَارَةُ وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْقَائِلِينَ بِالرُّؤْيَةِ فِي أَنَّ رُؤْيَتَهُ مِنْ أَعْظَمِ كَرَامَاتِ أَهْلِ الْجَنَّةِ . قَالَ: وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّمَا يَرَى نَفْسَهُ عُقُوبَةً لَهُمْ وَتَحْسِيرًا عَلَى فَوَاتِ دَوَامِ رُؤْيَتِهِ ؛ وَمَنْعِهِمْ مِنْ ذَلِكَ - بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِمَا فِيهَا مِنْ الْكَرَامَةِ وَالسُّرُورِ - يُوجِبُ أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ الْكُفَّارَ وَيُرِيَهُمْ مَا فِيهَا مِنْ الْحُورِ وَالْوِلْدَانِ وَيُطْعِمُهُمْ مِنْ ثِمَارِهَا وَيَسْقِيهِمْ مِنْ شَرَابِهَا ثُمَّ يَمْنَعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ لِيُعَرِّفَهُمْ قَدْرَ مَا مُنِعُوا مِنْهُ وَيُكْثِرُ تَحَسُّرَهُمْ وَتَلَهُّفَهُمْ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِفَضِيلَتِهِ . وَ"الْعُمْدَةُ"قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: { كَلَّا إنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ } فَإِنَّهُ يَعُمُّ حَجْبَهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَذَلِكَ الْيَوْمُ { يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَلَوْ قِيلَ: إنَّهُ يَحْجُبُهُمْ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ لَكَانَ تَخْصِيصًا لِلَّفْظِ بِغَيْرِ مُوجِبٍ وَلَكَانَ فِيهِ تَسْوِيَةٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ؛ فَإِنَّ"الرُّؤْيَةَ"لَا تَكُونُ دَائِمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْكَلَامُ خَرَجَ مَخْرَجَ بَيَانِ عُقُوبَتِهِمْ بِالْحَجْبِ وَجَزَائِهِمْ بِهِ ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَاوِيَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ فِي عِقَابٍ وَلَا جَزَاءٍ سِوَاهُ ؛ فَعُلِمَ أَنَّ الْكَافِرَ مَحْجُوبٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ بِخِلَافِ الْمُؤْمِنِ وَإِذَا كَانُوا فِي عَرْصَةِ الْقِيَامَةِ مَحْجُوبِينَ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ فِي النَّارِ أَعْظَمُ حَجْبًا وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: { وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا } وَقَالَ: { وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } وَإِطْلَاقُ وَصْفِهِمْ بِالْعَمَى يُنَافِي"الرُّؤْيَةَ"الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ أَنْوَاعِ الرُّؤْيَةِ . فَبِالْجُمْلَةِ فَلَيْسَ مَقْصُودِي بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ الْكَلَامَ الْمُسْتَوْفِي لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّ الْعِلْمَ كَثِيرٌ وَإِنَّمَا الْغَرَضُ بَيَانُ أَنَّ هَذِهِ"الْمَسْأَلَةَ"لَيْسَتْ مِنْ الْمُهِمَّاتِ الَّتِي يَنْبَغِي كَثْرَةُ الْكَلَامِ فِيهَا وَإِيقَاعُ ذَلِكَ إلَى الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ حَتَّى يَبْقَى شِعَارًا وَيُوجِبَ تَفْرِيقَ الْقُلُوبِ وَتَشَتُّتَ الْأَهْوَاءِ . وَلَيْسَتْ هَذِهِ"الْمَسْأَلَةُ"فِيمَا عَلِمْت مِمَّا يُوجِبُ الْمُهَاجَرَةَ وَالْمُقَاطَعَةَ ؛ فَإِنَّ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِيهَا قَبْلَنَا عَامَّتُهُمْ أَهْلُ سُنَّةٍ وَاتِّبَاعٍ وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهَا مَنْ لَمْ يتهاجروا وَيَتَقَاطَعُوا كَمَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَالنَّاسُ بَعْدَهُمْ - فِي رُؤْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ فِي الدُّنْيَا وَقَالُوا فِيهَا كَلِمَاتٍ غَلِيظَةً كَقَوْلِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ . وَمَعَ هَذَا فَمَا أَوْجَبَ هَذَا النِّزَاعُ تَهَاجُرًا وَلَا تَقَاطُعًا . وَكَذَلِكَ نَاظَرَ الْإِمَامُ أَحْمَد أَقْوَامًا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي"مَسْأَلَةِ الشَّهَادَةِ لِلْعَشَرَةِ بِالْجَنَّةِ"حَتَّى آلَتْ الْمُنَاظَرَةُ إلَى ارْتِفَاعِ الْأَصْوَاتِ وَكَانَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ يَرَوْنَ الشَّهَادَةَ وَلَمْ يَهْجُرُوا مَنْ امْتَنَعَ مِنْ الشَّهَادَةِ ؛ إلَى مَسَائِلَ نَظِيرِ هَذِهِ كَثِيرَةٍ . وَالْمُخْتَلِفُونَ فِي هَذِهِ"الْمَسْأَلَةِ"أعذر مِنْ غَيْرِهِمْ أَمَّا"الْجُمْهُورُ"فَعُذْرُهُمْ ظَاهِرٌ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَمَا نُقِلَ عَنْ السَّلَفِ ؛ وَأَنَّ عَامَّةَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي"الرُّؤْيَةِ"لَمْ تَنُصَّ إلَّا عَلَى رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ نَصٌّ صَرِيحٌ بِرُؤْيَةِ الْكَافِرِ وَوَجَدُوا الرُّؤْيَةَ الْمُطْلَقَةَ قَدْ صَارَتْ دَالَّةً عَلَى غَايَةِ الْكَرَامَةِ وَنِهَايَةِ النَّعِيمِ . وَأَمَّا الْمُثْبِتُونَ عُمُومًا وَتَفْصِيلًا