فالاجتهاد الفردي في هذا العصر يكاد يكون مستحيلًا، بعد هذا التوسع، والتبحر في الاختصاص، والتعقيد في تركيب المجتمعات، والتشابك في العلاقات الاجتماعية، والتأثر والتأثير بين الأمم من جهة، وبين جوانب الحياة المتعددة، لذلك لا يتسع عمر الفرد ولا علمه - مهما بلغ من النبوغ - لهذا النوع المطلوب من الاجتهاد، فلا مندوحة والحالة هذه من التقدم باتجاه المؤسسات ومراكز البحوث والدراسات، وبناء العقل الجماعي المؤسسي، الذي يمتلك نوافذ الرؤية من الجهات كلها وفي العلوم كلها.
لقد حفل العصر السابق بإنجازات فردية هامة جاءت ثمرة لمقتضيات العصر نفسه، أما بعد أن توسعت الأمور وأصبحت الدنيا كلها محل رؤية الإنسان وخطابه، فلا بد من إعادة النظر في عملية الاجتهاد. حتى يمكن تحويل الإسلام من قيم ومبادئ ومواثيق أخلاقية وإرشادات عامة توجه مسيرة الحياة إلى برامج وأحكام تصوغ الواقع وتضع الأوعية الشرعية الصحيحة لحركته.