الصفحة 14 من 289

كون الإنسان على صورة الله -إذا أقر الحديث كما جاء- فيه نوع من المشابهة -أكثر من المشابهة- في تأويل الحديث على أن الصورة بمعنى الصفة أو الصورة المعنوية أو الروحانية ونحو ذلك، فمسمى التشبيه لازم على التقديرين، والتشبيه المنفي بالنص والإجماع والأدلة العقلية الصحيحة منتف على التقديرين.

قوله: خلق الله آدم على صورته يقتضي المشابهة بين صفة العبد وصفة الرب مع تباين الحقيقتين.

الأدلة الشرعية والعقلية التي تثبت بها الصفات لله يثبت بنظيرها هذه الصورة، فإن وجود ذات ليس لها صفات ممتنع، وثبوت الصفات الكمالية معلوم بالشرع والعقل، وثبوت المشابهة من بعض الوجوه في الأمور الكمالية معلوم بالشرع والعقل، كما أنه لا بد من كل موجود من صفات تقوم به، فلا بد من كل موجود قائم بنفسه من صورة يكون عليها.

الإضافة تتنوع دلالتها بحسب المضاف إليه، فلما قال في آخر الحديث: فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعا ؛ هذا يقتضي المشابهة في الجنس والقدر؛ لأن صورة المضاف من جنس صورة المضاف إليه، وحقيقتهما واحدة، وأما قوله: خلق الله آدم على صورته ؛ فهذا يقتضي نوعا من المشابهة فقط، ولا يقتضي تماثلا لا في حقيقة ولا قدر.

من المعلوم أن الشيئين المخلوقين قد يكون أحدهما على صورة الآخر مع التفاوت العظيم بين جنس ذواتهما وقدر ذواتهما، وقد تظهر صورة السماوات والقمر في الماء أو في مرآة في غاية الصغر، ويقال هذه صورتها، مع العلم بأن حقيقة السماوات والأرض أعظم من ذلك بما لا نسبة لأحدهما للأخر، وكذلك المصور الذي يصور السماوات والأرض والكواكب والشمس والقمر والجبال والبحار مع أن الذي يصوره، وإن شابه ذلك فإنه أبعد شيء عن حقيقته وقدره.

الصورة قائمة بالشيء المصور، فصورة الله كوجه الله، ويد الله، وقدرة الله، ومشيئة الله وكلام الله قائمة به، ويمتنع أن تقوم بغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت