وَدَلِيلُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الِاجْتِهَادَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنَّ اجْتِهَادَهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ يُضَاهِي النَّصَّ , فَلَا يَعْدِلُ عَنْ الِاجْتِهَادِ عِنْدَ إمْكَانِهِ , كَمَا لَا يَعْدِلُ عَنْ النَّصِّ إلَى الْقِيَاسِ . أَمَّا إنْ اجْتَهَدَ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلِاجْتِهَادِ , فَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ , فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ وَيَصِيرَ إلَى الْعَمَلِ أَوْ الْإِفْتَاءِ بِقَوْلِ غَيْرِهِ تَقْلِيدًا لِمَنْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ , قَالَ صَاحِبُ مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ:"إجْمَاعًا"أَيْ بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ , لِأَنَّ مَا عَلِمَهُ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ فَلَا يَتْرُكُهُ لِقَوْلِ أَحَدٍ . وَلَكِنْ لَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ الْمُجْتَهِدَ حَكَمَ بِالتَّقْلِيدِ نَفَذَ حُكْمُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى رِوَايَةٍ , وَلَمْ يَنْفُذْ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى , وَلَا عَلَى قَوْلِ الصَّاحِبَيْنِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا , وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ . وَاَلَّذِينَ قَالُوا بِتَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ يَجِبُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ أَنْ يُقَلِّدَ فِيمَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ حُكْمُ الشَّرْعِ فِيهِ , فَيَكُونُ مُجْتَهِدًا فِي الْبَعْضِ مُقَلِّدًا فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ , وَلَكِنْ قِيلَ: إنَّهُ مَا دَامَ عَالِمًا فَلَا يُقَلِّدُ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ وَجْهُ الصِّحَّةِ , بِأَنْ يُظْهِرَهُ لَهُ الْمُجْتَهِدُ الْآخَرُ . وَأَيْضًا قَدْ يُقَلِّدُ الْعَالِمَ فِي الثُّبُوتِ , كَمَنْ قَلَّدَ الْبُخَارِيَّ فِي تَصْحِيحِ الْحَدِيثِ , ثُمَّ يَجْتَهِدُ فِي الدَّلَالَةِ أَوْ الْقِيَاسِ أَوْ دَفْعِ التَّعَارُضِ بِنَاءً عَلَى مَا ثَبَتَ عِنْدَ غَيْرِهِ .