... عندما يُفتَتَح سفر الشعر العربي، تقف الأطلال في وجه القارئ شامخة على مطلع القصائد، وكأنها السمة التي يُعرف بها الشعر العربي الجيد المكتمل على مر العصور. وكأن القصيدة الخالية من الطلل قصيدة ناقصة مبتورة، أو هي قصيدة لم تنل من النضج والاكتمال حظها الأوفر. فجاءت عاطلة من دون تلك الشارة، عارية من سمة التحول الذي أرّق العربي وأهمّه، على الرغم من حبه له، وسعيه وراءه، رحلة وسياحة، وهجرة. بيد أن العودة إلى المكان الذي ترك، والمنزل الذي هجر، تغمره بسيل من الذكرى المؤلمة، لما فيها من عودة إلى ماض حبيب، ووجوه أليفة، وعيش هني رغيد. فالطلل هاجس القصيدة العربية، و خشبة الصلب التي يحملها الشعر العربي على عاتقه، وإن حاول المحدثون التحلل منها. إلاّ أن الطلل ظل يعمر القصيدة ويسكنها، وإن لم يظهر على مطلعها. لأن الغاية انصرفت عن الوصف الحسي، ولكنها لم تنصرف عن فلسفة التحوّل، و الزوال، والفناء.