ولهذا مِلت إلى التوسعة في"وعاء الزكاة"عملًا بعموم: (خذ من أموالهم) (التوبة: 103) . وما شابهها. ورجحت رأي أبى حنيفة في تزكية كل ما خرج من الأرض، عملًا بعموم: (ومما أخرجنا لكم من الأرض) (البقرة: 267) على حين خالفته - رضي الله عنه - في عدم اشتراط النصاب، لصحة حديث:"ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"ثبوتًا ودلالة. ولم آخذ بإطلاق:"في سبيل الله"حسب وضعها اللغوي الأصلي، لما قيدها من استعمال الشرع، ومن حكم السياق. ولكنى رجحت توسيع مدلول الجهاد -الذي فهمه الجمهور من العبارة- بحيث يشمل كل معاني الجهاد: العسكرية والفكرية والتربوية والاجتماعية، ونحوها.
السنة النبوية
وثاني هذه المصادر هو السنة النبوية -قولية وعملية وتقريرية-. فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- هو المبين للناس ما نزل إليهم بنص القرآن، ولهذا كانت سنته هي الشرح النظرى، والتفسير العملي لكتاب الله، فهي التي تفصل ما أجمله، وتفسر ما أبهمه، وتقيد ما أطلقه، وتخصص ما عممه، وتضع الصور العملية لتطبيقه ؛ فلولا السنة لم يعرف المسلم صلاته ولا زكاته ولا حجة ولا عمرته، متى تكون؟ وكيف تكون؟ وكم تكون؟ فإنه مجملة في القرآن العزيز غاية الإجمال.
روى أبو داود: أن رجلًا قال لعمران بن حصين -رضى الله عنه-: يا أبا نجيد! إنكم لتحدثوننا بأحاديث ما نجد لها أصلًا في القرآن، فغضب عمران، وقال للرجل: أوجدتم: في كل أربعين درهما درهم؟ ومن كل كذا شاة شاة؟ ومن كل كذا وكذا بعيرًا كذا؟ أوجدتم هذا في القرآن؟! قال: لا. قال: فممن أخذتم هذا؟ أخذتموه عنا، وأخذناه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وذكر أشياء نحو هذا (انظر: مختصر السنن للمنذري: 2/174) .
يعنى أنه ذكر له أشياء من الصلاة والحج وغيرهما مما جاء في القرآن مجملًا وبينته السنة.
ولا غرو أن تكون السنة هي المصدر الخصب لأحكام الزكاة وأسرارها، وأن يكون للزكاة في كتب السنة مجال رحب، ومكان فسيح.