الصيام وتربية النفس
في التقرب إلى الله تعالى بترك ما تشتهيه نفس الصائم من الطعام و الشراب و النكاح فوائد:
منها: كسر النفس؛ فإن الشبع والري ومباشرة النساء تحمل النفس على البطر و الغفلة 0
ومنها: تخلي القلب للفكر والذكر؛ فإن تناول هذه الشهوات قد يقسي القلب ويعميه، ويحول بين العبد وبين الذكر والفكر، ويستدعي الغفلة، وخلو الباطن من الطعام والشراب ينور القلب، ويوجب رقته، ويزيل قساوته، ويخليه للذكر والفكر 0
ومنها: أن الغني يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره له على ما منعه كثيرًا من الفقراء من فضول الطعام والشراب و النكاح؛ فإنه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص وحصول المشقة له بذلك، يتذكر به من منع ذلك على الإطلاق، فيوجب له ذلك شكر نعمة الله عليه بالغنى، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته بما يمكن من ذلك 0
ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فتسكن بالصيام وساوس الشيطان، وتنكسر سورة الشهوة والغضب، ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلّم الصوم وجاء لقطعه عن شهوة النكاح 0
وأعلم أنه لا يتم التقرب إلى الله تعالى بترك هذه الشهوات المباحة في غير حالة الصيام إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرمه الله في كل حال؛ من الكذب والظلم و العدوان على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلّم: (( من لم يدع قول الزور و العمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) ) [رواه البخاري] ، وقال بعض السلف: أهون الصيام تركك الشراب و الطعام 0 وقال جابر: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب و المحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء 0
إذا لم يكن في السمع مني تصاون وفي بصري غض وفي منطقي صمت
فحظي إذا من صومي الجوع و الظما فإن قلت إني صمت يومي فما صمت
وسر هذا أن التقرب إلى الله تعالى بترك المباحات لا يكمل إلا بعد التقرب إليه بترك المحرمات، فمن ارتكب المحرمات ثم تقرب بترك المباحات كان بمثابة من يترك الفرائض ويتقرب بالنوافل، وإن كان صومه مجزئًا عند الجمهور بحيث لا يؤمر بإعادته؛ لأن العمل إنما يبطل بارتكاب ما