فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 11

لماذا خص الله الصيام بإضافته إلى نفسه دون سائر الأعمال؟

خص الله الصيام بإضافته إلى نفسه دون سائر الأعمال فقال: (( إلا الصيام فإنه لي ) )وقد كثر القول في معنى ذلك من الفقهاء وغيرهم، وذكروا فيه وجوهًا كثيرة، ومن أحسن ما ذكر فيه وجهان:

أحدهما: أن الصيام هو مجرد ترك حظوظ النفس وشهواتها الأصلية التي جبلت على الميل إليها لله عز وجل، ولا يوجد ذلك في عبادة أخرى غير الصيام؛ لأن الإحرام إنما يترك فيه الجماع ودواعيه من الطيب دون سائر الشهوات من الأكل والشرب، وذلك الاعتكاف مع أنه تابع للصيام. وأما الصلاة فإنه وإن ترك المصلى فيها جميع الشهوات إلا أن مدتها لا تطول، فلا يجد المصلى ونفسه تتوق إلى طعام بحضرته حتى يتناول منه ما يسكن نفسه، ولهذا أمر بتقديم العشاء على الصلاة 0

وهذا بخلاف الصيام؛ فإنه يستوعب النهار كله، فيجد الصائم فقد هذه الشهوات، وتتوق نفسه إليها، خصوصًا في نهار الصيف؛ لشدة حره وطوله، ولهذا روي أن من خصال الإيمان الصوم في الصيف، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يصوم رمضان في السفر في شدة الحر دون أصحابه كما قال أبو الدرداء، وورد أنه صلى الله عليه وسلّم كان بالعرج يصب الماء عليه وهو صائم من العطش أو من الحر 0

فإذا اشتد توقان النفس إلى ما تشتهيه مع قدرتها عليه، ثم تركته لله عز وجل في موضع لا يطلع عليه أحد إلا الله، كان ذلك دليلًا على صحة الإيمان، فإن الصائم يعلم أن له ربًا يطلع عليه في خلوته، وقد حرم عليه أن يتناول شهواته المجبول على الميل إليها في الخلوة، فأطاع ربه، وامتثل أمره، واجتنب نهيه خوفًا من عقابه، ورغبة في ثوابه، فشكر الله تعالى له ذلك، واختص لنفسه عمله هذا من بين سائر أعماله؛ ولهذا قال بعد ذلك: (( إنه إنما ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي ) )0

ولما علم المؤمن الصائم أن رضا مولاه في ترك شهواته قدم رضا مولاه على هواه؛ فصارت لذته في ترك شهوته لله، لإيمانه باطلاع الله عليه، وثوابه وعقاب أعظم من لذته في تناولها في الخلوة؛ إيثارًا لرضا ربه على هوى نفسه، بل المؤمن يكره ذلك في خلوته أشد من كراهته لألم الضرب، وهذا من علامات الإيمان أن يكره المؤمن ما يلائمه من شهواته إذا علم أن الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت