الصفحة 32 من 70

لَكِنْ يُؤَيِّد ظَاهِره وَأَنَّ الْمُرَاد بِهِ فِي الدُّنْيَا مَا رَوَى الْحَسَن بْن سُفْيَان فِي مُسْنَده وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَب مِنْ حَدِيث جَابِر فِي أَثْنَاء حَدِيث مَرْفُوع فِي فَضْل هَذِهِ الأُمَّة فِي رَمَضَان:

(( وَأَمَّا الثَّانِيَة: فَإِنَّ خُلُوف أَفْوَاههمْ حِين يَمَسُّونَ أَطْيَب عِنْد اللَّه مِنْ رِيح الْمِسْك ) )قَالَ الْمُنْذِرِيُّ إِسْنَاده مُقَارِب.

وَهَذِهِ الْمَسْأَلَة إِحْدَى الْمَسَائِل الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا اِبْن عَبْد السَّلام وَابْن الصّلاح:

ـ فَذَهَبَ اِبْن عَبْد السَّلام إِلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي الآخِرَة كَمَا فِي دَم الشَّهِيد وَاسْتَدَلَّ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا"يَوْم الْقِيَامَة".

ـ وَذَهَبَ اِبْن الصَّلاح إِلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا وَاسْتَدَلَّ بِمَا تَقَدَّمَ وَأَنَّ جُمْهُور الْعُلَمَاء ذَهَبُوا إِلَى ذَلِكَ.

قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: أَزْكَى عِنْد اللَّه وَأَقْرَب إِلَيْهِ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: مَعْنَاهُ الثَّنَاء عَلَى الصَّائِم وَالرِّضَا بِفِعْلِهِ , وَبِنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ الْقُدُورِيّ مِنْ الْحَنَفِيَّة وَالدَّاوُدِيّ وَابْن الْعَرَبِيّ مِنْ الْمَالِكِيَّة وَأَبُو عُثْمَان الصَّابُونِيّ وَأَبُو بَكْر بْن السَّمْعَانِيّ وَغَيْرهمْ مِنْ الشَّافِعِيَّة , جَزَمُوا كُلّهمْ بِأَنَّهُ عِبَارَة عَنْ الرِّضَا وَالْقَبُول , وَأَمَّا ذِكْر يَوْم الْقِيَامَة فِي تِلْكَ الرِّوَايَة فَلِأَنَّهُ يَوْم الْجَزَاء وَفِيهِ يَظْهَر رُجْحَان الْخُلُوف فِي الْمِيزَان عَلَى الْمِسْك الْمُسْتَعْمَل لِدَفْعِ الرَّائِحَة الْكَرِيهَة طَلَبًا لِرِضَا اللَّه تَعَالَى حَيْثُ يُؤْمَر بِاجْتِنَابِهَا , فَقَيَّدَهُ بِيَوْمِ الْقِيَامَة فِي رِوَايَة وَأَطْلَقَ فِي بَاقِي الرِّوَايَات نَظَرًا إِلَى أَنَّ أَصْل أَفْضَلِيَّته ثَابِت فِي الدَّارَيْنِ , وَهُوَ كَقَوْلِهِ: (إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ) وَهُوَ خَبِير بِهِمْ فِي كُلّ يَوْم , اِنْتَهَى.

قال الحافظ: وَيُؤْخَذ مِنْ قَوْله"أَطْيَب مِنْ رِيح الْمِسْك"أَنَّ الْخُلُوف أَعْظَم مِنْ دَم الشَّهَادَة لأَنَّ دَم الشَّهِيد شَبَّهَ رِيحه بِرِيحِ الْمِسْك , وَالْخُلُوف وُصِفَ بِأَنَّهُ أَطْيَب , وَلا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُون الصِّيَام أَفْضَل مِنْ الشَّهَادَة لِمَا لا يَخْفَى , وَلَعَلَّ سَبَب ذَلِكَ النَّظَر إِلَى أَصْل كُلّ مِنْهُمَا فَإِنَّ أَصْل الْخُلُوف طَاهِر وَأَصْل الدَّم بِخِلافِهِ فَكَانَ مَا أَصْله طَاهِر أَطْيَب رِيحًا. [1]

الصيام شعار الأبرار:

(1) فتح الباري باختصار (4/ 137)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت