و خرج البخاري من حديث سهل بن سعد ـ رضي الله عنه ـ: (إن شملة أهديت للنبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ فلبسها و هو محتاج إليها، فسأله إياها رجل فأعطاه، فلامه الناس و قالوا: كان محتاجًا إليها، و قد علمت أنه لا يرد سائلًا، فقال: إنما سألتها لتكون كفني فكانت كفنه)
و كان جوده ـ صلى الله عليه و سلم ـ كله لله، و في ابتغاء مرضاته فإنه كان يبذل المال إما لفقير، أو محتاج، أو ينفقه في سبيل الله، أو يتألف به على الإسلام من يقوي الإسلام بإسلامه، و كان يؤثر على نفسه و أهله و أولاده فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى و قيصر، و يعيش في نفسه عيش الفقراء، فيأتي عليه الشهر و الشهران لا يوقد في بيته نار، و ربما ربط على بطنه الحجر من الجوع، و كان قد أتاه صبي مرة فشكت إليه فاطمة ما تلقي من خدمة البيت و طلبت منه خادمًا يكفيها مؤنة بيتها، فأمرها أن تستعين بالتسبيح و التكبير و التحميد عند نومها، و قال: (لا أعطيك و أدع أهل الصفة تطوي بطونهم من الجوع) و كان جوده ـ صلى الله عليه و سلم ـ يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور، كما أن جود ربه تضاعف فيه أيضًا، فإن الله جبله على ما يحبه من الأخلاق الكريمة \""
و قد قال بعض الشعراء يمتدح بعض الأجواد و لا يصلح أن يكون ذلك إلا لرسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ.
لمست كفه أبتغي الغنى ... و لم أدر أن الجود من كفه يُعدي
وقال آخر:
تعود بسط الكف حتى لو انه ... ثناها لقبضٍ لم تجبه أناملُه
تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف و الجود ساحله
و لو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله.
ولقد اقتدى برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جهابذة أمته من العباد والعلماء، فساروا على نهجه واقتفوا أثره، حتى صاورا للناس على الجود علما، وكانوا بحق ممن اتبع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بإحسان.
\"فقد كان كثير من السلف يواسون من إفطارهم أو يؤثرون به و يطوون."
كان ابن عمر يصوم و لا يفطر إلا مع المساكين فإذا منعه أهله عنهم لم يتعش تلك الليلة، و كان إذا جاءه سائل و هو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام و قام فأعطاه السائل، فيرجع و قد أكل أهله ما بقي في الجفنة فيصبح صائمًا و لم يأكل شيئًا.
و اشتهى بعض الصالحين من السلف طعامًا، و كان صائمًا فوضع بين يديه عند فطوره فسمع سائلًا يقول: من يقرض الملي الوفي الغني؟ فقال عبده المعدم من الحسنات فقام فأخذ الصحفة فخرج بها إليه و بات طاويًا.
و جاء سائل إلى الإمام أحمد فدفع إليه رغيفين كان يعدهما لفطره ثم طوى و أصبح صائمًا.
و كان الحسن يطعم إخوانه و هو صائم تطوعًا و يجلس يروحهم و هم يأكلون.
و كان ابن المبارك يطعم إخوانه في السفر الألوان من الحلواء و غيرها و هو صائم.
سلام الله على تلك الأرواح، رحمة الله على تلك الأشباح، لم يبق منها إلا أخبار و آثار، كم بين من يمنع الحق الواجب عليه و بين أهل الإيثار.
لا تعرضن لذكرنا في ذكرِهم ... ليس الصحيحُ إذا مشى كالمُقعدِ
و له فوائد أخر، قال الشافعي ـ رضي الله عنه ـ: أحب للرجل الزيادة في الجود في شهر رمضان اقتداء برسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ و لحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، و لتشاغل كثير منهم بالصوم و الصلاة عن مكاسبهم، و كذا قال القاضي أبو يعلى و غيره من أصحابنا أيضًا \""
عرض القرآن في رمضان
ـ عن أبي هريرة ـ ري الله عنه ـ قال: \"كان يعرض على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف كل عام عشرا، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه \"
ـ عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال: \"كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعرض القرآن في كل رمضان على جبريل، فيصبح رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من ليلته التي يعرض فيها ما يعرض وهو أجود من الريح المرسلة لا يُسأل عن شيء الا أعطاه، حتى كان الشهر الذي هلك بعده عرض فيه عرضتين \"
العمرة في رمضان
ـ عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال: \"أراد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الحج فقالت امرأة لزوجها: أحجني مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على جملك. فقال: ما عندي ما أحجك عليه. قالت: أحجني على جملك فلان. قال: ذاك حبيس في سبيل الله ـ عز وجل ـ فأتى رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: إن امرأتي تقرأ عليك السلام ورحمة الله، وإنها سألتني الحج معك، قالت: أحجني مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقلت ما عندي ما أحجك عليه، فقالت: أحجني على جملك فلان، فقلت: ذاك حبيس في سبيل الله، فقال: أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله، قال: وإنها أمرتني أن أسألك ما يعدل حجة معك، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أقرأها السلام ورحمة الله وبركاته، وأخبرها أنها تعدل حجة معي يعني عمرة في رمضان \"