والمكان هو روضة الإمام الحسين في كربلاء، وإذا بموكب المطبرين الذين يضربون بالسيوف على رؤوسهم ويشجونها حدادا وحزنا على الحسين دخلوا الروضة في أعداد غفيرة والدماء تسيل من جباههم وجنوبهم بشكل مقزز تقشعر منه الأبدان، ثم أعقب الموكب موكب آخر وفي أعداد غفيرة أيضا وهم يضربون بالسلاسل على ظهورهم وقد أدموها، وهنا سألني الشيخ العجوز والعالم الحر:
ما بال هؤلاء الناس وقد أنزلوا بأنفسهم هذه المصائب والآلام؟
قلت: كأنك لا تسمع ما يقولون"واحسيناه"أي لحزنهم على الحسين.
ثم سألني الشيخ من جديد: أليس الحسين الآن في"مقعد صدق عند مليك مقتدر"؟
قلت: نعم.
ثم سألني مرة أخرى: أليس الحسين الآن في هذه اللحظة في الجنة"التي عرضها كعرض السماوات والأرض أعدت للمتقين"؟
قلت: نعم، ثم سألني: أليس في الجنة"حور عين كأمثال الؤلؤ المكنون"؟
قلت: نعم.
وهنا تنفس الشيخ الصعداء وقال بلهجة كلها حزن وألم: ويلهم من جهلة أغبياء لماذا يفعلون بأنفسهم هذه الأفاعيل لأجل إمام هو الآن في جنة ونعيم ويطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من نعيم.
في عام 1352 هجري وعندما أعلن كبير علماء الشيعة في سوريا السيد محسن الأمين العاملي تحريم مثل هذه الأعمال وأبدى جرأة منقطعة النظير في الإفصاح عن رأيه وطلب من الشيعة أن يكفوا عنها، لاقى معارضة قوية من داخل صفوف العلماء ورجال الدين الذين ناهضوه وورائهم"الهمج الرعاع"على حد تعبير الإمام علي. وكادت خطواته الإصلاحية تفشل لولا أن تبنى جدنا السيد أبو الحسن وبصفته الزعيم الأعلى للطائفة الشيعية موقف العلامة الأمين ورأيه في تلك الأعمال معلنا تأييده المطلق له ولفتواه.
ولقد أعطى موقف جدنا بعدا كبيرا للحركة الإصلاحية التي نادى بها السيد الأمين، ومع أن كثيرا من الفقهاء والمجتهدين وقفوا موقفا معارضا للسيد أبو الحسن كما وقفوا للأمين من قبل إلا أن السيد أبو الحسن تغلب على الجميع في آخر المطاف بسبب مقامه الرفيع وصموده. وأخذت الجماهير تطيع فتوى الزعيم الأكبر وبدأت تلك الأعمال تقل رويدا رويدا وتختفي من على الساحة الشيعية إلا أنها لم تندثر تماما حيث بقي لها مظاهر ضعيفة وهزيلة حتى أن توفي جدنا رحمه الله في عام 1365 هجري وأخذت بعض الزعامات الشيعية الجديدة تحث الناس على تلك الأعمال من جديد فبدأت تنمو مرة أخرى في العالم الشيعي ولكنها لم تصل إلى ما كانت عليه من قبل عام 1352 هجري.
وبعد أن أعلنت في إيران الجمهورية الإسلامية وتولت ولاية الفقيه السلطة صدرت الأوامر بإحياء تلك الأعمال كجزء من السياسة المذهبية وأخذت الجمهورية الإسلامية الفتية تساعد الفئات الشيعية في كل الأرض وتحثهم ماليا ومعنويا