لعلك تشاركني العجب من قوم جعلوا صيامهم حجة لهم وعذرا عن تقصيرهم في أداء واجباتهم على الوجه الحسن، فعللوا تأخرهم في قدومهم إلى وظائفهم بأنهم كانوا نائمين، ونوم الصائم عبادة!!، وعللوا تراخيهم عن إتقان أعمالهم بأنهم مرهقون بسبب الجوع أو العطش، وللصائم الحق في أن يخفف عنه من جهد العمل ومشقته، وعللوا خروجهم المبكر قبل أن يستوفي وقت العمل حقه، بأنهم محتاجون لقضاء بعض اللوازم للإفطار!! وعللوا تذمرهم من المراجعين، وسلاطة ألسنتهم على الناس بأنهم - أستغفر الله - صائمون!! فيا ليت شعري كيف يفسر هؤلاء أثر الصيام على أنفسهم، وكيف يفصلونه على قدود مشتهياتهم؟! رمضان شهر العمل والبذل والعطاء، لا شهر الكسل والخور والضعف، شهر وقعت فيه أكبر الانتصارات في الإسلام في القديم والحديث، فلم يكن عائقا عن أداء مهمة، ولا داعيا للتقاعس عن إتقان عمل؛"إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه"أخرجه أبو يعلى (4386) من حديث عائشة - رضي الله عنها. وانظر السلسلة الصحيحة (1113) . حديث جليل لا يختلف مراده بتغير الأزمان، وقاعدة عظيمة لا تختل بظرف طارئ، كيف والصوم عبادة تؤدى لله، هدفها الأول تربية التقوى في النفس المؤمنة، يقول الله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" [البقرة:183] . والتقوى وازع إيماني عميق الجذور، إذا تغلغل في النفس كان حاجزا مانعا لها عن كل ما يسخط الله، ودافعا قويا لها إلى كل ما يحب الله، والإتقان مما يحب الله، وهو من صفات الكمال التي اتصف بها عز وجل، قال تعالى: (صنع الله الذي أتقن كل شئ) [النمل:88] . فأول ثمرة متوخاة من تقوى الله تعالى في العمل، مراقبته - عز وجل - في كل الساعات التي تمضيها ـ أخي الموظف الصائم ـ وأنت تمارس عملك، بأن تكون في مرضاة الله، وألا تضيع منها دقيقة واحدة في غير ما يخص وظيفتك، وأن تنشط لمهامك بوعي تام، وأن تكون في موقعك ينبوع أخلاق؛ ونهر عطاء؛ تتدفق بكل خير على مراجعيك دون تذمر منهم أو مشقة عليهم، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم قوله:"اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به"أخرجه مسلم (1828) من حديث عائشة - رضي الله عنها -. وصح عنه; قوله:"وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ"أخرجه البخاري (1894) ، ومسلم (1151) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
تخيل معي لو أن كل صائم منا حمل هذه الراية البيضاء، إذن لبكى الشيطان بكاء مرا!! لأننا أفشلنا أكبر مؤامرة خطط لها من أجل إفساد عبادتنا، وذات بيننا. فما رأيك ـ أخي الصائم ـ أن تحمل الراية معي لنكون في كوكبة الصابرين، ونواجه كل مُتَحَدٍّ لمشاعرنا، أو مستفزٍّ لأعصابنا بهذا الهتاف الإيماني: (( إني امرؤ صائم ) )بل فلنحاول أن نناصح زملاءنا في العمل، ونذكرهم إذا رأينا منهم بعض ظواهر هذه الممارسات الخاطئة .. فلعلنا نفوز باستجابة ... ودعوة ... ومثوبة.
ترك صيام رمضان تهاونًا
السؤال: ما حكم المسلم الذي أهمل أداء فريضة الصوم بدون عذر شرعي لعدة سنوات؟ مع التزامه بأداء الفرائض الأخرى، هل يكون عليه قضاء أو كفارة؟ وكيف يقضي كل هذه الشهور إن كان عليه قضاء؟
المجيب عبد العزيز بن باز - رحمه الله -
الجواب:
حكم من ترك صوم رمضان وهو مكلف من الرجال والنساء أنه قد عصى الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، وأتى كبيرة من كبائر الذنوب، وعليه التوبة إلى الله من ذلك، وعليه القضاء لكل ما ترك، مع إطعام مسكين عن كل يوم إن كان قادرًا على الإطعام، وإن كان فقيرًا لا يستطيع الإطعام كفاه القضاء والتوبة؛ لأن صوم رمضان فرض عظيم، قد كتبه الله على المسلمين المكلفين، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أحد أركان الإسلام الخمسة.
والواجب تعزيره على ذلك، وتأديبه بما يردعه إذا رفع أمره إلى ولي الأمر أو إلى هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
هذا إذا كان لا يجحد وجوب صيام رمضان، أما إن جحد وجوب صوم رمضان، فإنه يكون بذلك: كافرًا مكذبًا لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، يستتاب من جهة ولي الأمر بواسطة المحاكم الشرعية، فإن تاب وإلا وجب قتله لأجل الردة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم:"من بدل دينه فاقتلوه"خرجه البخاري في"صحيحه".
أما إن ترك الصوم من أجل المرض أو السفر فلا حرج عليه في ذلك.
والواجب عليه القضاء إذا صح من مرضه أو قدم من سفره؛ لقول الله عز وجل:"ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر" [البقرة: 185] ، والله ولي التوفيق.
[مجموع فتاوى ابن باز رحمه الله تعالى (3/ 219 - 220) ]
ثبوت شهر رمضان ورؤية الهلال
إثبات دخول رمضان