[11] ولكم في القصاص حياة
سائل يسأل عن الفروق التي بين قوله تعالى في الآية الكريمة: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [1] وقول العرب: (القتل أنفى للقتل) .
الإجابة:
قال في «تفسير المنار» [2] : وقد بينت هذه الآية حكمة القصاص بأسلوب لا يُسامى، وعبارة لا تحاكى، واشتهر أنها من أبلغ آي القرآن، التي تُعْجِزُ في التحدي فرسان البيان. ومن دقائق البلاغة فيها: أن جعل فيها الضد متضمنا لضده -وهو القصاص- وعَرَّفَ القصاص ونَكَّر الحياة؛ للإشعار بأن في هذا الجنس - من الحِكم- نوعا من الحياة عظيما لا يقدر قدره، ولا يجهل سره، ثم إنها في إيجازها قد ارتقت أعلى سماء للإعجاز، وكانوا ينقلون كلمة في معناها عن بعض بلغاء العرب يعجبون من إيجازها في بلاغتها، ويحسبون أن الطاقة لا تصل إلى أبعد من غايتها، وهي قولهم: «القتل أنفى للقتل» . وإنما فتنوا بهذه الكلمة وظنوا أنها نهاية ما يمكن أن يبلغه البيان، ويفصح به اللسان؛ لأنها قيلت قبلها كلمات أخرى في معناها لبلغائهم كقولهم: «قتل البعض إحياء للجميع» . وقولهم: «أكثروا القتل ليقل القتل» . وأجمعوا على أن كلمة: «القتل أنفى للقتل» أبلغها، وأين هي من كلمة اللَّه العليا وحكمته المثلى؟ ثم نقل عن الإمام الرازي بيان التفاوت بين الآية الكريمة وتلك الكلمة من ستة أوجه منها: كونها أخصر؛ لأن قوله {وَلَكُمْ} لا يدخل في هذا الباب؛ إذ لا بد في الجميع من تقدير ذلك يعني: فلا تدخل في حساب الحروف.
وبعد أن سرد عبارة الرازي قال: وذكر السيد الألوسي هذه الوجوه باختيار أدق، وزاد عليها نحوها، فقال:
(1) - سورة البقرة: الآية (179) .
(2) - «تفسير المنار» (2/ 130) ط. دار المنار.