إن استشارة أهل التقوى من أهل العلم بالدين وأهل الخبرة في أمور الدنيا من أسباب النصر وصلاح أحوال المجتمع المسلم ويتضح ذلك جليا عندما استشار النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه من المهاجرين والأنصار في لقاء جيش المشركين، ولقد استجاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - لمشورة الحباب بن المنذر عندما تحرك الرسول - صلى الله عليه وسلم - بجيشه ليسبق المشركين إلى ماء بدر ويحول بينهم وبين الاستيلاء عليه، فنزل أدنى ماء من مياه بدر، فقام الحباب بن المنذر وقال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه أم هو الحرب والرأي والمكيدة ؟ قال: بل هو الحرب والرأي والمكيدة، فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى تأتي أدنى (أقرب) ماء من القوم ثم نغور ما وراءه من القلب ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لقد أشرت علي بالرأي) ، فنهض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسار معه الصحابة حتى نزل بالمكان الذي أشار به الحباب بن المنذر. [1]
إن هذه الحرية التي ربَّى عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه مكنت مجتمعهم من الاستفادة من عقول جميع أهل الرأي السديد والمنطق الرشيد، فالقائد فيهم ينجح نجاحًا باهرًا، وإن كان حديث السن؛ لأنه لم يكن يفكر برأيه المجرد, أو آراء عصبة مهيمنة عليه قد تنظر لمصالحها الخاصة قبل أن تنظر لمصلحة المسلمين العامة، وإنما يفكر بآراء جميع أفراد جنده، وقد يحصل له الرأي السديد من أقلهم سمعة وأبعدهم منزلة من ذلك القائد؛ لأنه ليس هناك ما يحول بين أي فرد منهم والوصول برأيه إلى قائد جيشه [2] .
(1) السيرة النبوية لابن هشام ج2 ص224- الطبقات لابن سعد ج2 ص10]
(2) انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي (4/110) .