الصفحة 18 من 46

إن الأُلى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنةً أبينا

ويرفع بها صوته:"أبينا أبينا" [1] .

إن هذه اللقطات من مشاهد غزوة الخندق تصور لنا حال المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم أجمعين وما بلغ بهم الجهد والجوع؛ فطعامهم قد أنتن ريحه لِقِدَمه، وحفرُ الخندق يعالجونه بأيديهم إذ لا خدم لهم، وهم غير آبهين بذلك كله طالما أنهم سائرون في مرضاة الله عز وجل، يجددون عهدهم مع الله تعالى في كل ضربة معول، وينشدون الأراجيز يهيجون بعضهم البعض على العمل ابتغاء مرضاة الله، فتجتمع فيهم طاعة القلوب مع طاعة الألسنة والجوارح في مشهد إيماني بديع. وتكتمل الصورة روعة وجمالًا بمشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بين صحابته الكرام، وهو يعمل كواحد منهم، ويحمل كما يحمل أحدهم، ويجوع كما يحوعون، ويغبر بطنه كما تغبر بطونهم، ويردد معهم أراجيزهم، ثم هو صلوات الله وسلامه عليه ملجأ القوم بعد الله تعالى يلتجئون إليه عندما تعرض لهم العقبات الكؤود، فينزل بأبي وأمي هو صلوات الله وسلامه عليه فإذا نزل رأى الناس الحجر معصوبًا على بطنه من الجوع، فيحمل بيديه الشريفتين معوله ويضرب حيث عجزت معاول المسلمين أن تضرب، فيحيل الله تعالى على يديه القطعة الشديدة من الأرض رملًا مفتتًا غير متماسكٍ! وهكذا تكون القيادة الإسلامية في الميدان تكليفًا وتشريفًا لا تميزًا واستعلاءً على الغير، ولا مكثًا في القصور والحمايات الخاصة في حين يعالج جند المسلمين ألوان الويلات والعقبات، ولا تكون القيادة الإسلامية في دعة وراحة وطعام وشراب في حين لا يجد جند المسلمين ما يسد رمقهم، ولا ما يستر عوراتهم، أو يدفع البرد عنهم. فأين قيادات المسلمين اليوم عن التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في قيادته الميدانية الفذة العجيبة؟!

وهنا لا بد من استطراد بسيط عند مشهد ضرب الكدية بمعوله صلى الله عليه وسلم، فقد وردت في رواية أخرى عن البراء بن عازب قال:"أمرنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق قال: وعرض لنا صخرة في مكان من الخندق لا تأخذ فيها المعاول، قال: فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال عوف: وأحسبه قال: وضع ثوبه - ثم هبط إلى الصخرة فأخذ المعول فقال:"بسم الله"، فضرب ضربةً فكسر ثلث الحجر وقال:"الله أكبر، أُعطيت مفاتيح الشام، والله إنى لأبصر قصورها الحمر من

(1) صحيح البخاري - كتاب المغازي - حديث 4104

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت