الصفحة 13 من 46

وتمييز أحوال المنافقين مع فتح باب التوبة والمغفرة والرحمة خير عظيم لا يقوم أمامه ما يشوش به بعض المنافقين من إرجاف وتخذيل، وهكذا.

كما أن هذا المشهد القرآني يبين لنا حكمًا ومقاصد شرعية أخرى؛ فإغاظة الكفار مقصد شرعي كما قال تعالى: (ورد الله الذين كفروا بغيظهم) ، وهذا كقوله تعالى: (ولا يطأون موطئًا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدوٍ نيلًا إلا كُتب لهم به عملٌ صالح) [1] ، فأين المسلمون اليوم من هذا المقصد الشرعي وكثير منهم يتهافت على السعي في إرضاء الكفار ونيل رضاهم والمسارعة فيما يحبون والتبرؤ مما يبغضون!

لقد ظهرت حكمة الله تعالى في غزوة الخندق في إغاظة عدوه وعدو المسلمين من خلال ردهم على أعقابهم خائبين مفرَّقين مشتتين على عكس ما جاؤوا به من الاجتماع على حرب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. ولقد كان في تسليط الريح عليهم لتفريق شملهم معاني بديعة من التأييد الإلهي واجتماع الجنود الكونية على رد أعداء الله تعالى،

وذكر الحافظ ابن كثير كلامًا نفيسًا في هذا المعنى حيث قال رحمه الله:"يقول تعالى مخبرًا عن الأحزاب لما أجلاهم عن المدينة بما أرسل عليهم من الريح والجنود الإلهية، فسلط عليهم هواءً فرَّق شملهم، كما كان سبب اجتماعهم من الهوى، وهم أخلاطٌ من قبائل شتى أحزاب وآراء، فناسب أن يرسل عليهم الهواء الذي فرق جماعتهم وردهم خائبين خاسرين بغيظهم وحنقهم لم ينالوا خيرًا في الدنيا، مما كان في أنفسهم من الظفر والمغنم، ولا في الآخرة بما تحملوه من الآثام في مبارزة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بالعداوة، وهمِّهم بقتله واستئصال جيشه، ومن همَّ بشيء وصدق همَّه بفعله فهو في الحقيقة كفاعله" [2] اهـ.

إن تأمل آثار العلم والحكمة الإلهية في هذا المشهد القرآني لمما يزيد المرء إيمانًا، ويبعث الطمأنينة في نفسه بصدق وعد الله تعالى، وأن الأمور بعواقبها وخواتيمها، فلا يجزع المؤمن لما يشاهده من بعض المشاهد الجزئية التي فيها خوف وجزع وضرر نسبيين، فإن في بواطن هذه المحن منحًا عظيمًا، ومع هذه الفتنة من النعمة ما لا يقدره إلا من قدر الله تعالى حق قدره، وإنما المعول عليه هنا حسن الظن بالله، والصبر على

(1) سورة التوبة - آية 120

(2) تفسير ابن كثير - 6/ 522

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت