وقال سعد: أشهد لرأيت رسول الله - - صلى الله عليه وسلم -- واقفًا عليه وهو مقتول، وهو يقول: «رضي الله عنك فإني عنك راضٍ» ، ثم رأيت رسول الله - - صلى الله عليه وسلم -- قام على قدميه وقد نال النبي - - صلى الله عليه وسلم -- من الجراح ما ناله، وإني لأعلم أن القيام ليشق عليه على قبره حتى وُضع في لحده، وعليه بردة لها أعلام خضر، فمد رسول الله - - صلى الله عليه وسلم -- البردة على رأسه فخمره، وأدركه فيها طولا، وبلغت نصف ساقيه، وأمرنا فجمعنا الحرمل فجعلناه على رجليه، وهو في لحده، ثم انصرف، فما حال أموت عليها أحبُّ إليَّ من أن ألقى الله - تعالى -على حال المزني
وهكذا يفعل الإيمان بأصحابه فهذا وهب المزني وابن أخيه تركا الأغنام بالمدينة والتحقا بصفوف المسلمين وحرصا على نيل الشهادة، فأكرمهما الله بها، وقد كانت تلك الملحمة التي سطرها المزني محفورة في ذاكرة الصحابة، فهذا سعد بن أبي وقاص يتذكرها بعد مرور ثلاث عشرة سنة تقريبا على غزوة أحد لمجرد سماع اسم رجل من عشيرة المزني ويتمنى أن يموت ويلقى الله على مثل حالة المزني.
عمرو بن الجموح - رضي الله عنه-:
كان عمرو بن الجموح - رضي الله عنه- أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأُسْد يشهدون مع رسول الله - - صلى الله عليه وسلم -- المشاهد، وهم خلاد ومعوذ ومعاذ وأبو أيمن، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه، وقالوا: إن الله - عز وجل - قد عذرك، فأتى رسول الله - - صلى الله عليه وسلم -- فقال: إن بنيّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه وللخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال له رسول الله - - صلى الله عليه وسلم --: «أما أنت فقد عذرك الله - تعالى -فلا جهاد عليك» وقال لبنيه: «ما عليكم ألا تمنعوه، لعل الله أن يرزقه الشهادة» فخرج وهو يقول مستقبل القبلة: اللهم لا تردني إلى أهلي خائبًا فقتل شهيدًا.