الصفحة 54 من 153

فأفادت الآيات والأحاديث أنه لا يُكَفُّ عن قتال المشركين إلا بالتوبة من الشرك، ولا يكون ذلك إلا بالإتيان بالشهادتين، مع الالتزام بهاتين الشعيرتين العظيمتين (الصلاة والزكاة) ، وبَقِيَّةُ الشعائر مثلُهما في وجوب الالتزام، ولكن جرى الاقتصار عليهما في هذه النصوص؛ لأنهما أعظم أركان الإسلام، ومَن التزم بهما فما بعدهما تَابِعٌ لهما.

ويُوَضِّحُ هذا المقام: ما جرى لأبي بكر الصديق رضي الله عنه مع عمر رضي الله عنه ومَن وَافَقَه في شأن مانعي الزكاة، حيث عزم أبو بكر على قتالهم واعترض عليه عمر، وقال له: كيف تقاتل مَن قال «لا إله إلا الله» ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» فَإِذَا قَالُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم إِلاَّ بِحَقِّهَا»؟، فقال له أبو بكر رضي الله عنه قولتَه المشهورة: (وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَينَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللَّهِ لَو مَنَعُونِي عِقَالًا -أو عَنَاقًَا- كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَقَاتَلتُهُم عَلَى مَنعِهِ) ، قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: (فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَن رَأَيتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَد شَرَحَ صَدرَ أَبِي بَكرٍ لِلقِتَالِ فَعَرَفتُ أَنَّهُ الحَقُّ) ، فاتفق الصحابة رضي الله عنهم على قتال مانعي الزكاة.

والمؤلِّف -رحمه الله- استنبط من هذا: أن التوحيد وحده لا يعصم من العقوبة في الدنيا، بل يباح معه قِتَالُ وقَتلُ من امتنع عن أداء فريضةٍ من فرائض الإسلام.

ومثل ذلك أيضًا: قوله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلِمٍ يَشهَدُ أَن لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ بِإِحدَى ثَلاَثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفسُ بِالنَّفسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ لِلجَمَاعَةِ» [1] ، فأحَلَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم قَتلَ هؤلاءِ بإقامة ما أوجب الله عليهم من العقوبة، مع أنهم يشهدون شهادة التوحيد (لا إله إلا الله، محمدٌ رسول الله) .

(1) متفقٌ عليه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ البخاري (رقم 6484) ، ومسلم (رقم 1676) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت