ص -492- والقياس الصحيح نوعان:
أحدهما: أن يعلم أنه لا فارق بين الفرع والأصل إلا فرق غير مؤثر في الشرع كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح: أنه سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال:"ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم". وقد أجمع المسلمين على أن هذا الحكم ليس مختصًا بتلك الفأرة وذلك السمن. فلهذا قال جماهير العلماء: إن أي نجاسة وقعت في دهن من الأدهان كالفأرة التي تقع في الزيت وكالهر الذي يقع في السمن فحكمها حكم تلك الفأرة التي وقعت في السمن. ومن قال من أهل الظاهر إن هذا الحكم لا يكون إلا في فأرة وقعت في سمن فقد أخطأ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص الحكم بتلك الصورة لكن لما استفتي عنها أفتى فيها والاستفتاء إذا وقع عن قضية معينة أو عن نوع فأجاب المفتى عن ذلك خصه لكونه سئل عنه لا لاختصاصه بالحكم.
ومثل هذا: أنه سئل عن رجل أحرم بالعمرة وعليه جبة مضمخة بخلوق فقال:"انزع عنك الجبة واغسل عنك الخلوق واصنع في عمرتك ما كنت تصنع في حجك". فأجابه عن الجبة ولو كان عليه قميص أو نحوه كان الحكم كذلك بالإجماع.
والنوع الثاني من القياس: أن ينص على حكم لمعنى من المعاني ويكون ذلك المعنى موجودًا في غيره فإذا قام دليل من الأدلة على أن الحكم متعلق بالمعنى المشترك بين الأصل والفرع سوَّى بينهما وكان هذا قياسًا صحيحًا.
فهذان النوعان كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يستعملونهما وهما من باب فهم مراد الشارع فإن الاستدلال بكلام الشارع بتوقف على أن يعرف ثبوت اللفظ عنه وعلى أن يعرف مراده باللفظ. وإذا عرفنا مراده فإن علمنا أنه حكم للمعنى المشترك لا لمعنى يخص الأصل أثبتنا الحكم حيث وجد المعنى المشترك وإن علمنا أنه قصد تخصيص الحكم بمورد النص منعنا القياس كما أنه علمنا ان الحج خص به الكعبة وان الصيام الفرض خص به شهر رمضان وان الاستقبال خص به جهة الكعبة وأن المفروض من الصلوات خص به الخمس ونحو ذلك فإنه يمتنع