ص -596- قد قدمنا أن هذا المشترك وهو المقدار صفة المقدر قائم به لا نفس المقدار وحقيقته قال تعالى: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} وقال: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} فجعل المقدار القدر للأشياء لم يجعل ذلك أعيان الأشياء أو ذواتها كما قال تعالى: {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} وبينا أن كل واحد من المشترك والمميز يجوز أن يكونا سواءا بالنسبة إلى الذات الموصوفة بهما فليس جعل أحدهما ذاتا والآخر صفة بأولى من العكس وبينا أنه وإن قيل أنه الذات فليس هو تمام الحقيقة بل الحقيقة موافقة لما به الاشتراك و ما به الامتياز فالمتحيز وإن كان جنسا كما قيل في الجوهر بالجنس لا يجب أن يكون مماثل الأنواع فإن التماثل يحتاج إلى الاشتراك في جميع الصفات الذاتية وهو قد سلم أن المتحيزات مختلفة في الصفات فيجوز أن يكون كل جسم وإن كان التقدير ذاته فله صفات ذاتية مختصة به كما يقول من يقول من المتكلمين المنطقيين وغيرهم: إن الجوهر جنس وتحته أنواع إضافية وتحت كل نوع أنواع إلى النوع الشامل الخاص الذي تتفق أفراده في تمام الماهية الحقيقية.
قال الرازي: وإنما قلنا: إنه يمتنع أن يكون ذات الله تعالى مساوية لذوات الأجسام في تمام الماهية لوجوه: (الأول) أن من حكم المتماثلين الاستواء في جميع اللوازم فيلزم من قدم ذات الله تعالى قدم سائر الأجسام أو من حدوث سائر الأجسام حدوث ذات الله تعالى وذلك محال (الثاني) : أن المثلين يجب استواؤهما في جميع اللوازم فكما صح على سائر الأجسام خلوها عن صفة العلم والقدرة والحياة وجب أن يصح على ذاته الخلو عن هذه الصفات فحينئذ يكون اتصاف ذاته بحياته وعلمه وقدرته من الجائزات وإذا كان الأمر كذلك امتنع