وها أنت تسافرُ للبلاد التي يظهر فيها الفساد ، فما الذي بدَّل رأيك فيها ؟ أجبني !
يا من هدَّم مجدَه ! وبعثَرَ جهودَه !
ما الذي أوقعَكَ في هذه السيئات ؟!
عن النعمان بن بشير ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:"اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال ، من فعل ذلك استبرأ لدينه وعرضه ، ومن أرتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى" (1)
كان الأوزاعي يقول: ويل للمتفقهين لغير العبادة والمستحلين الحرمات بالشبهات . (2)
وماذا بعد ؟!
وبعد هذا التَّطْوَاف في أحوال بعض المتراجعين للخلف ، أو المراوحين مكانهم لا يبرحونه ، يأتي السؤالُ: أراكَ أغلظتَ علينا ، وحرَّمت ما أباحه الله لنا ؟!
أقول: أعوذ بالله أن أُحرِّم ما أحلَّ الله أو أبيح ما حرَّم [ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ] (3)
ولكني أخاطب من أترفَّع بهم عن الدنايا ، وأهاتف من سمت بهم هممهم عن السفاسف ، وأحادث من لا يرضون بالدُّون ، ولا يقنعون باليسير ، ولا يركنون للعَرَض الزائل الحقير .
فخطابي للصفوة المنتقاة من عباد الله ، الذين يسيرون على سيرة أسلافهم الذين يقول قائلهم: كنا ندع ثلاثة أرباع الحلال خشية الوقوع في الحرام .
قال الحسن: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام .
وقال الثوري: إنما سُمُّوا بالمتقين لأنهم اتَّقوا ما لا يُتَّقى !
وقال ابن عمر: إني لأحبّ أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا أخرقها . (4)
إذا ما علا المرءُ رام العلا ويقنع بالدونِ مَن كان دونا
(1) أخرجه ابن حبان في صحيحه وأحمد في المسند ، انظر: السلسلة الصحيحة (2/594) (896) .
(2) سير أعلام النبلاء ـ الذهبي (7/ 126) .
(3) الأعراف: 32
(4) جامع العلوم والحكم ـ ابن رجب الحنبلي ـ ص (90 ) .