يقول أبو عبد الرحمن العُمري الزاهد ـ الذي قدم يومًا إلى الكوفة ليُخوِّف الرشيدَ بالله ، فرجفت لمجيئه الدولة ، حتى لو نزل بهم من العدو مئة ألف ، ما زاد من هيبته ـ يقول: إن من غفلتك عن نفسك إعراضك عن الله ، بأن ترى ما يسخطه فتجاوزه ، ولا تأمر ، ولا تنهى خوفًا من المخلوق . من ترك الأمر بالمعروف خوف المخلوقين ، نُزِعَت منه الهيبة ، فلو أمر ولده لاستخفَّ به" (1) "
يؤثر السلامةَ على إسلامه ، ودنياهُ على دينه ، وعاجلَتَه على آجلَتِه ، فماذا سيقولُ لو قيلَ له تقدَّم لنزال الكفار .. أيها الجبان الخوَّار !
أضحتْ تُشجعني هندٌ فقلتُ لها إن الشجاعةَ مقرونٌ بها العطبُ
لا والذي حجَّت الأنصارُ كعبَتَهُ ما يشتهي الموتَ عندي مَن له أرَبُ
للحربِ قومٌ أضلَّ الله سعيَهمُ إذا دَعَتهم إلى حَوماتِها وثَبُوا
ولستُ منهم ولا أهوى فِعالَهُمُ لا القتلُ يُعجبني منهم ولا السَّلَبُ (2)
هنيئًا لأعدائك بك !
يقول ليَ الأميرُ بغيرِ جرمٍ تقدَّم حينَ حلَّ بنا المِراسُ
فما ليَ إن أطعتُكَ في حياةٍ ولا لي غيرُ هذا الرأسِ راسُ
شمعة بدون ضياء !
عندما ينتحر الحماس ؛ لا يتحمس للدعوة إلى الله تعالى ، ولا يجتهد في هداية الخلق ، وسوقهم إلى ربهم سوقًا جميلًا ، يرى صرعى الشهوات ، وهلكى الغفلات ، ثم لا يتحرك لإنقاذهم من أنفسهم وشياطينهم .
اسمع لصلاح الدين الأيوبي ـ رحمه الله ـ ماذا يقول: إنه متى يسَّر الله تعالى فتح بقية الساحل ، قسمتُ البلاد وأوصيتُ وودَّعتُ ، وركبتُ هذا البحر إلى جزائِره ، واتّبعتهم فيها حتى لا أبقي على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت .." (3) "
بُغضُ الحياةِ وخوفُ الله أخرجني وبيعُ نفسي بما ليستْ له ثَمنًا
(1) سير أعلام النبلاء ـ الذهبي (8/375) والجواب الكافي ـ ابن قيم الجوزية ـ ص ( 44) .
(2) المحاسن والمساوئ ـ الجاحظ ـ ص ( 59) .
(3) النوادر السلطانية ـ للقاضي ابن شداد ـ ص 18