كان ابن تيمية من الصغر في عناية الله عز وجل وفي رعايته ، فلا تعلم له صبوة ، ولا تحفظ له عثرة ، لم تنقل له زلة ؛ لأنه عاش في بيت إمامه وعلم وصيانة وديانة ، فقد رباه أبوه المفتي الحافظ عبدا لحليم ، وكان أعمامه أيضًا من أهل الولاية لله عز وجل ، فنشأ بين بيته الطاهر العفيف ، وبيت الله العامر المبارك ، وحفظ كتاب من الصغر ، وتعلم السنة وأخذ الآداب الإسلامية من أهل العلم ، وحفظه الله - الحافظ - عن تهور الشباب ، وطيش الفتوة ، ونزق الصبا ، فعاش عفيفًا دينًا مقتصدًا صينًا رزينًا عاقلًا محافظًا على الفرائض ، معتنيًا بالسنن ، كثير الأذكار والأوراد ،بعيدًا عن اللهو وعن البذخ والسرف واللعب وكل ما يشين الرجال ، وكل ما يخدش المروءة ، وكل ما يذهب الوقار ؛ فصار محل العناية من الأكابر ، حتى كان يعرف إذا مر فيقال هذا ابن تيمية ؛ لاشتهاره بين أقرانه بالجد والمثابرة وحب العلم والبراعة في التحصيل ، وسرعة الحفظ والذكاء ، وجودة الخاطر وسيلان الذهن وقوة المعرفة - رحمه الله -
جده في التحصيل
نقل المؤرخون وأهل السير أن ابن تيمية كان منشغلًا في كل أوقاته بتحصيل العلم ما بين قراءة وتكرار وحفظ ومذاكره واستنباط وكتابة وتأليف وتعليق ، فلا تراه إلا منكبًا على كتاب أو جالسًا بين يدي شيخ ، أو مذاكرًا للطلاب، أو مطارحًا لأقرانه وزملائه ، فكل أوقاته انشغال من اولها إلى آخرها ، إلا ما كان فيه وقت مباح كنومٍ أو طعامً أو نحو ذلك ، حتى إنه لم يتزوج - رحمه الله - لانشغاله بالعلم والجهاد ونشر الخير في الناس ، ولم يتول أي ولاية ولا مشيخة ولا دار حديث ولا منصب دنيوي ، ولم يتشاغل بالمال ، ولم يذهب