وكيف يمكن لمجتمع ناهض مختلف عن المجتمعات الغربية التي استكملت وجودها، وتعيش الآن مرحلة الرفاهية والاستهلاك وقد وضعت نظرياتها في ظل هذه الأوضاع كيف يمكن أن تطابق هذه النظريات مجتمعنا وكيف تستطيع أن تعطيه، وهذه العقلية العربية الإسلامية التي تقوم على مفهوم الإيمان بالله وإرادة الفرد والالتزام الأخلاقي والمسئولية والجزاء كيف يستطيع أن يتعامل مع نظريات تقوم على الجبرية وتحاول أن تصور المجتمع بصورة الصراع وأن تقيم التناقضات أساسًا بينما تقوم المجتمعات العربية الإسلامية على التقاء العناصر والأجزاء في كل متكامل، دون صراع بينها أو جبرية.
ذلك هو الخطر الذي يصل إلينا، لا عن طريق الفكر المفتوح حتى نناقشه ونكشف عن زيفه، ولكن عن طريق الجامعة فإذا هو من المسلمات في عقول أبنائنا بينما هو في الحقيقة ليس كذلك في نظر أصحابه الذين طالما غيروا لأن الزمن لا يدعهم في راحة، إن ما ذهب إليه - دوركايم - في مذهبه الاجتماعي الذي يضمه كتابه"قواعد المنهج في علم الاجتماع"ليس إلا نظرية وفرضية بناها عقله في ضوء تحديات كثيرة منها التحديات العامة ومنها التحديات الخاصة ولكل فيلسوف من ظروفه الخاصة ظل وأثر على آرائه لا ريب في ذلك. أما التحديات العامة فذلك أن دوركايم هو ربيب الثقافة الماركسية أو المذهب الماركسي والنظرية المادية أصلًا، ومفهومه معارض تمامًا لكل القيم الأساسية التي جاءت بها الفطرة، أو صاغتها الأديان في منهجها الرباني القائم على الفطرة، وهو في كل دعاواه يأخذ الطرف الثاني المعارض فإذا أعانت الأديان أن الدين فطرة وأن الأسرة فطرة أعلن هو عكس ذلك تمامًا فقال أن الجريمة هي الفطرة، ولكن الدين والأسرة ليسا من الفطرة في شيء.