ولا ريب أن الفرد هو موضوع هام شغل الفلاسفة وأصحاب الأيديولوجيات ولكن أهم ما هنالك: هو مسئوليته وموقفه من الجماعة، وتلك هي القضايا التي تتلاعب بها أهواء الفكر البشري، وحين تراه سيدًا مؤلها، وحين تراه حيوانًا وحين تراع ترسًا في آلة، وقد برأ الإسلام من ذلك كله ووضعه في موضعه الحق، واعترف برغائبه المادية وأشواقه الروحية جميعًا، فليس الفرد مؤلها ولا معبودًًا ولا حيوانًا ولكنه من أعظم ما خلق الله لو استقام على الطريقة واهتدى إلى الحق، وقد حدد الإسلام موقفه من ربه ومن الكون ومن المجتمع وحدد مسئوليته ورسالته وجزاءه، وعلاقته بالدنيا وبالآخرة وبالوجود كله، على نحو تعجز كل الفلسفات والمذاهب عن الوصول إليه، أما الغرب فإنه حين أنكر الألوهية والدين والوحي فإنه ذهب وراء الأهواء كل مذهب في سبيل مفهوم للحياة وللإنسان.
ولكن الإسلام وهو وحي الله ورسالة السماء كان أصدق من كل هذه المذاهب والأيديولوجيات وأقربها إلى الفطرة وأبعدها عن الغلو والاضطراب، ومن ثم فهو أصلح المناهج للبشرية على مدى العصور وعلى اختلاف البيئات لأنه قدم الشريعة المحكمة الخالدة القائمة على إطار ثابت مع القدرة على التغير والحركة والتطور، رابطًا بين العقل والقلب، والروح والمادة، والدين والعلم، والدنيا والآخرة.
ولقد سقطت الوجودية وتجاوزها الزمن لأنها خالفت الفطرة، ولم تستطع أن ترضي العقل، ولم تعترف بالروح، فهي تجعل الإنسان في عزلة عن الجماعة أنانيًا غاية الأنانية أولًا وتجعله يستطيب أبرز القبيح من جوانب الطبيعة الإنسانية؛ ثانيًا، وتجعله يفصل نفسه عن ربه وعن السماء وعن الدين ويتنكر لكل القيم الخالدة؛ ثالثًا ولأنه يؤوس قنوط قلق ممزق لا يجد قرارة ولا راحة ولا طمأنينة ولا أمنه النفسي، بينما الإسلام هو ما عكس هذا كله، نورًا وهدى.
ثالثًا: دوركايم: