فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 348

إن مفهوم الدلالة عند الغزالي ينبغي أن ينظر إليه من زاوية الثقافة الأصولية، ذلك أن الأحكام التي استنبطها من القرآن الكريم- خاصة- استند فيها على أسس نظرية نجدها بشكل واضح في كتابه"المستصفى من علم الأصول". وتعود هذه الأسس أصلًا إلى فهم عميق للدلالة،"وإن كانت وضعت لتطبق في فهم النصوص الشرعية، ولكنها تطبق أيضًا في معاني أي نص غير شرعي ما دام مصوغًا في لغة عربية" [1] والتفسير الدلالي الذي توصل إليه الغزالي، يدل على أن هذا العالم الفيلسوف قد تجاوز البحث عن ماهية الدلالة إلى البحث عن جوهر الدلالة وفروعها، فبنظرة مقتضبة إلى بعض نصوصه في كتابه المشار إليه آنفًا، تجده يذكر أصنافًا لمعان قد حددها علماء الدلالة المحدثون كالمعنى الإرشادي أو الإيمائي، والمعنى الاتساعي، والمعنى السياقي، وإن كان الغزالي يسميها بمصطلحات أصولية وهي على الترتيب دلالة الإشارة ودلالة الاقتضاء وفحوى الخطاب، وكل دلالة عند الغزالي قد تنقسم إلى دلالات فرعية يقول معرفًا دلالة الاقتضاء، بأنها هي التي لا يدل عليها اللفظ ولا يكون منطوقًا بها ولكن تكون من ضرورة اللفظ. [2] وكيف تكون دلالة الاقتضاء من ضرورة اللفظ يا ترى؟ يوضح ذلك الغزالي بقوله:"أما من حيث لا يمكن كون المتكلم صادقًا إلا به، أو من حيث يمتنع وجود الملفوظ شرعًا إلا به أو من حيث يمتنع ثبوته عقلًا إلا به". [3]

إن إدراك دلالة الاقتضاء تتم إما باعتبار طبيعة حال المتكلم فهي بناء على ذلك طبيعية لا يكون المتكلم عندها إلا صادقًا وإما باعتبار طريق العقل فالدلالة إذن عقلية منطقية.

(1) عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي، ج1، ص156.

(2) المستصفى من علم الأصول، ص187.

(3) المصدر السابق، نفس الصفحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت