الفضلاء وأجلاء الغزاة وأمجاد الحروب؛ وهي في نفسها خمس مدن يتلو بعضها بعضًا، وبين المدينة والمدينة سور حصين حاجز، وبكل مدينة منها ما يكفيها من الأسواق والفنادق والحمامات والصناعات، وطولها ثلاثة أميال في عرض ميل واحد، وهي في سفح جبل مطل عليها يسمى جبل القروش.
ومدينتها الثالثة وهي الوسطى، فيها باب القنطرة وبها الجامع الذي ليس في معمور الأرض مثله، طوله ذراع في عرض ثمانين ذراعًا وفيه من السواري الكبار ألف سارية، وفيه مائة وثلاث عشرة ثريا للوقود، أكبرها يحمل ألف مصباح، وفيه من النقوش والرقوم ما لا يقدر أحد على وصفه، وبقبلته صناعات تدهش العقول، وعلى فرجة المحراب سبع قسي قائمة على عمد طول كل قوس فوق القامة، تحير الروم والمسلمون في حسن وضعها. وفي عضادتي المحراب أربعة أعمدة، اثنان أخضران واثنان لازورديان، ليس لها قيمة. وبه منبر [1] ليس على معمور الأرض مثله في حسن صنعته، وخشبه ساج وأبنوس وبقس وعود قاقلي. ويذكر في كتب تواريخ بني أمية أنه أحكم عمله ونقشه في سبع سنين، وكان يعمل فيه ثمانية صناع، لكل صانع في كل يوم نصف مثقال محمدي، وكان جملة ما صرف على المنبر أجرة لا غير عشرة آلاف مثقال وخمسي مثقال. وفي الجامع حاصل كبير ملآن من آنية الذهب والفضة لأجل وقوده. وبهذا الجامع مصحف فيه أربع ورقات من مصحف عثمان بن عفان [2] رضي الله تعالى عنه بخطه، أي بخط يده، وفيهن نقط من دمه. وله عشرون بابًا مصفحات بالنحاس الأندلسي، مخرمات تخريمًا يعجز البشر، وفي كل
(1) المنبر: شرفة يعتليها الخطيب أو من يتلو المراسيم ويكون إما من الرخام أو الحجر المدهون أو الخشب القيم.
(2) عثمان بن عفان (47 ق هـ ــ 35 هـ) هو عثمان بن عفان بن أبي العاص. قرشي أموي. أمير المؤلفين، وثالث الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة من السابقين إلى الإسلام. كان غنيًا شريفًا في الجاهلية، وبذل من ماله نصرة الإسلام. زوجه النبي صلي اله علية وسلم بنته رقية، فلما ماتت زوجة بنته الأخرى أم كلثوم، فسمى ذا النورين بويع بالخلافة بعد أمير المؤمنين عمر. واتسعت رقعة الفتوح في أيامه. أتم جمع القرآن. وأحرق ماعدا نسخ مصحف الإمام. نقم علية بعض الناس تقديم بعض أقاربه في الولايات. قتله بعض الخارجين علية بداره يوم الأضحى وهو يقرأ القرآن. [الأعلام للزركلي 4/ 371؛ و (عثمان بن عفان) لصادق إبراهيم عرجون؛ والبدء والتاريخ 5/ 79] .