فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 51

أغلق الباب. تنامى إلى سمعي صوته وهو يترنم بأغنية شعبية:

-"الناس تعشَّوا واْنَعموا. وأنا حَوِش بالجُمْجُمَة."

في الشارع تنفستُ الصعداء، كنتُ أشعر بفرحٍ مبهم. مشيتُ إلى محل مشروبات (الهناء) . قال صاحب المحل وهو يناولني كأس الليمون:

-تفضل أستاذ كمبيوتر، إشرب بالهناء والشفاء... اللِّيم دواء ممتاز للصَّفراء.

شربتُ الليمون دفعة واحدة فتحركت حبة النوفالجين من مكانها ولم تهبط. تنحنحتُ ودعكتُ حنجرتي. واصلتُ طريقي في اتجاه مكتبة (الوعي الثوري) وبينما كنتُ أقطع الشارع إلى الرصيف المقابل تذكرت أن صاحب المكتبة وعدني في وقتٍ سابق بأن يدبر لي كتابًا عن تحضير الأرواح. فجأةً، نهقت سيارة مسرعة فقفزتُ إلى الرصيف واصطدمتُ بجسم امرأةٍ مشرشفةٍ. صرخت في وجهي:

-آخ.. لك العمى.

قلتُ بصوت لاهث:

-آمين..

ضحكت بدلال وقالت:

-مُسَامَحْ.

مس كلامها شغاف قلبي واتسع الشارع.

المجانين

إذا جَنَّ الليل، نتدثَّر بجلودنا.

في الليالي الباردة، نستمدُّ الدفء من أنفاس المساجد التي ننام لصقها.

ولت أيام العزْ.

في زماننا هذا لم تعد المساجد تُفتحُ للعباد.

المساجد تُغلقُ من بعد صلاةِ العشاء بأقفال الطِّليان والتَّيوان.

غالبًا، لايموت من البرد في مدينتكم إلاَّ من يكون غريبًا، بائسًا أو متشردًا، جائعا لايلقى مأوىً يُكِّنُّ، ولاكلمات مرحة تُرتِّقُ شروخ الروح.

أما وقد كشفتُ لكم سرًا من أسرارنا، ألا وهو سرُّ مقاومةِ أشواك البرد، وهي هفوة لسان بريئة، لن أتعرض بسببها للتقريع في مجلس شيخ المجانين الذي ينعقد عادة في تمام الساعة، صفر، يوم يكون القمر قد شاخَ وهيأ كفنه استعدادًا لمضاجعة عانسة المحاق. لن تطالني عصا اللوم، لأن حرية القول مكفولة لكل من به مس، حسب دستورنا. وبما أنكم قوم مصابون بداء الكلام فلا تثريب عليَّ إن تحفظتُ ولم أكشف عن تلك النواميس العجيبة التي تنظم سير الحياة في مجتمعنا المتطور، ليس بسبب الحالة الذهنية الحالية، او خوفًا من أي مخلوق ولكن لئلا تسارعوا بقطع جوازات سفرٍ بلاعودة وتطلبوا من معتمدينا حق اللجوء والانتماءِ إلى عالمنا الأرحب. بصراحة، حتى، لا تَزُقّوا علينا الِمْهَرة."وحتى لاتتلوثُ مدننا العظيمة بعوادم عقولكم. من الخير لكم ياهؤلاء أن تقتنعوا بجناتكُم ولا تطمعوا بِجِنانِ المجانين."

القناعة كنز لايفنى

الشراهة قد تخنق

والكلبُ المُجَّربُ يتقنُ ترويض العظمة الجامحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت