فقال: هذا الرجل إذا رأى جدارًا .. ثار وأقبل يضربه بيده .. وتارة يضربه برجله .. وأحيانًا برأسه ..
فيومًا تتكسر أصابعه .. ويومًا تكسر رجله .. ويومًا يشج رأسه .. ويومًا .. ولم نستطع علاجه .. فحبسناه في غرفة كما ترى .. جدرانها وأرضها مبطنة بالإسفنج .. فيضرب كما يشاء .. ثم سكت الطبيب .. ومضى أمامنا ماشيًا ..
أما أنا وصاحبي عبد العزيز .. فظللنا واقفين نتمتم: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاك به
ثم مضينا نسير بين غرف المرضى ..
حتى مررنا على غرفة ليس فيها أسرة .. وإنما فيها أكثر من ثلاثين رجلًا .. كل واحد منهم على حال .. هذا يؤذن .. وهذا يغني .. وهذا يتلفت .. وهذا يرقص ..
وإذا من بينهم ثلاثة قد أُجلسوا على كراسي .. وربطت أيديهم وأرجلهم .. وهم يتلفتون حولهم .. ويحاولون التفلت فلا يستطيعون ..
تعجبت وسألت الطبيب: ما هؤلاء؟ ولماذا ربطتموهم دون الباقين؟
فقال: هؤلاء إذا رأوا شيئًا أمامهم اعتدوا عليه .. يكسرون النوافذ .. والمكيفات .. والأبواب ..
لذلك نحن نربطهم على هذا الحال .. من الصباح إلى المساء ..
قلت وأنا أدافع عبرتي: منذ متى وهم على هذا الحال؟
قال: هذا منذ عشر سنوات .. وهذا منذ سبع .. وهذا جديد .. لم يمض له إلا خمس سنين!!
خرجت من غرفتهم .. وأنا أتفكر في حالهم .. وأحمد الله الذي عافاني مما ابتلاهم ..
سألته: أين باب الخروج من المستشفى؟
قال: بقي غرفة واحدة .. لعل فيها عبرة جديدة .. تعال ..