وقلت: لا تكلف فيه فإنه لا يبعد أن يكون"والأرحام"من هذا القبيل، فيكون أقسم بها كما أقسم بمخلوقاته الدالة على وحدانيته وقدرته تأكيدا لها حتى قرنها بنفسه. والله أعلم. ولله أن يقسم بما شاء ويمنع ما شاء ويبيح ما شاء، فلا يبعد أن يكون قسما. والعرب تقسم بالرحم
.وعلى هذا حمل بعضهم قوله تعالى:"وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين" [الحجر: 20] فعطف على الكاف والميم. وقرأ عبدالله بن يزيد"والأرحام"بالرفع على الابتداء، والخبر مقدر، تقديره: والأرحام أهل أن توصل.
ويحتمل أن يكون إغراء؛ لأن من العرب من يرفع المغرى. وأنشد الفراء:
إن قوما منهم عمير وأشباه عمير ومنهم السفاح
لجديرون باللقاء إذا قال أخو النجدة السلاح السلاح
وقد قيل: إن"والأرحام"بالنصب عطف على موضع به؛ لأن موضعه نصب، ومنه قوله:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وكانوا يقولون: أنشدك بالله والرحم. والأظهر أنه نصب بإضمار فعل كما ذكرنا.
اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطيعتها محرمة. وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسماء وقد سألته أأصل أمي (نعم صلي أمك) فأمرها بصلتها وهي كافرة. فلتأكيدها دخل الفضل في صلة الكافر، حتى انتهى الحال بأبي حنيفة وأصحابه فقالوا بتوارث ذوي الأرحام إن لم يكن عصبة ولا فرض مسمى، ويعتقون على من اشتراهم من ذوي رحمهم لحرمة الرحم؛ وعضدوا ذلك بما رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ملك ذا رحم محرم فهو حر) . وهو قول أكثر أهل العلم. روي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبدالله بن مسعود، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة. وهو قول الحسن البصري وجابر بن زيد وعطاء والشعبي والزهري، وإليه ذهب الثوري وأحمد وإسحاق. ولعلمائنا في ذلك ثلاثة أقوال: الأول - أنه مخصوص بالآباء والأجداد. الثاني - الجناحان يعني الإخوة. الثالث - كقول أبي حنيفة.