وقد قال العقلاء: ازدحام العلوم مضلة للمفهوم، ولذلك تجد من بلغ الإمامة من المتقدمين في علم من العلوم لا يكاد يشتغل بغيره، ولا ينسب إلى غيره، وقد نظمت أبياتا في شأن من ينهز بنفسه، ويأخذ العلم من الصحف بفهمه:
يظن الغمر أن الكتب تهدي * أخا فهم لإدراك العلوم
وما يدري الجهول بأن فيها * غوامض حيرت عقل الفهيم
إذا رمت العلوم بغير شيخ * ضللت عن الصراط المستقيم
وتلتبس العلوم عليك حتى * تصير أضل من توما الحكيم (1)
أشرت إلى قول بعضهم:
قال حمار الحكيم توما * لو أنصفوني لكنت أركب
لأنني جاهل بسيط * وصاحبي جاهل مركب
ترجمة توما في الدرر الكامنة 2/ 75 قيل: هو المعني في الأبيات.
31 -سؤالات البرذعي 2/ 575:
قلت: لأبي زرعة قرة بن حبيب تغير؟
فقال: نعم كنا أنكرناه بآخره، غير أنه كان لا يحدث إلا من كتابه، ولا يحدث حتى يحضر ابنه، ثم تبسم، فقلت: لم تبسمت؟
قال: أتيته ذات يوم، وأبو حاتم، فقرعنا عليه الباب، واستأذنا عليه، فدنا من الباب ليفتح لنا، فإذا ابنته قد خـ [ـا] فت، وقالت له: يا أبة إن هؤلاء أصحاب الحديث، ولا آمن أن يلغطوك، أو يدخلوا عليك ما ليس من حديثك، فلا تخرج إليهم حتى يجيء أخي ـ تعني علي بن قرة ـ فقال لها: أنا أحفظ فلا أمكنهم ذاك.
فقالت: لست أدعك تخرج فإني لا آمنهم عليك، فما زال قرة يجتهد، ويحتج عليها في الخروج، وهي تمنعه، وتحتج عليه في ترك الخروج إلى أن يجيء علي بن قرة، حتى غلبت عليه، ولم تدعه.
قال أبو زرعة: فانصرفنا، وقعدنا حتى وافى ابنه علي، قال أبو زرعة: فجعلت أعجب من صرامتها، وصيانتها أباها.